الرئيسية 10 ثقافة وفن 10 إليكم قصة “المغفلة” .. واحدة من أروع القصص القصيرة في تاريخ الأدب العالمي

إليكم قصة “المغفلة” .. واحدة من أروع القصص القصيرة في تاريخ الأدب العالمي

قصة “المغفلة” (the fool) للكاتب الروسي انطوان تشيخوف ،ملخص القصة أن يوليا فاسيليفنا مربية أطفال تعمل عند أسرة برجوازية، وعندما دعاها “رب الأسرة” لكي يدفع لها حسابها ويتحاسب معها على فترة الشهرين اللذين عملت فيهما عنده للعناية بالأطفال، يقوم باستفزازها ومعاملتها بغلظة وقساوة، يأكل من نصيبها في المال ويتعمّد في أثناء محاسبتها أن يخصم عليها جزءاً من معاشها، متعللاً بأعذار مستفزة؛ مثل: كسر كوب، دخول لص على المنزل، مرض الأطفال، أيام العطلة، فيخصم منها أكثر من ثلاثة أرباع المبلغ المتفق عليه مسبقاً.

إلا أن يوليا لم تردَّ عليه سوى بكلمات خافتة، كان مقاطعاً لها ومتابعاً مشاهدته لها وهي مرتعشة اليدين ومترقرقة عيناها بالدموع، في حالةٍ وصفها الكاتب بالخوف والألم، حتى انتهى من الخصومات بنقص كبير في معاشها لم تردَّ عليه يوليا غير بكلمة “شكراً”! ما استفزه وأغضبه كثيراً.. شكراً على ماذا؟! على ما نهبتُكِ.. على ما سلبتُك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكراً؟! لماذا لا تدافعين عن حقك؟ لتجيب بأن “غيرك لم يعطني شيئاً”.

وبعد التشويق في القصة، يفاجئنا تشيخوف بأن ربَّ الأسرة لم يأكل حقها في المال؛ بل أعطاها حقها كاملاً، إنما أراد أن يلقنها درساً لا تنساه؛ وهو أن تطلب حقها من الآخرين دون استحياء.

تشيخوف بارع في إيصال أفضل الأفكار، يواجه القارئ بالأحداث والشخصيات وجهاً لوجه ثم يترك له حرية التصرف، وأقصى ما يفعله أن يُبقي القارئ في حالة توتر عصبي، يفاجئه بتفاصيل صغيرة دون عبارات توضيحية.

كما أن اللعب على سبر الحالة النفسية لأبطال القصص يجعل المرء يدرك تماماً أية حساسية يمتلكها الكاتب حتى استطاع إظهار الشخصيات بهذه الدرجة من التشريح النفسي العميق، إن شفافية الموقف الذي يظهر مدى بساطة الشخصية في عالم مليء بالقسوة وحب الذات.

نص قصة “المغفلة” 

منذ أيام دعوتُ إلى غرفة مكتبي مربّية أولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع لها حسابها
قلت لها: اجلسي يا يوليا.. هيّا نتحاسب.. أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك.. حسنا.. لقد اتفقنا على أن ادفع لك ثلاثين روبلا في الشهر
قالت: أربعين
قلت: كلا، ثلاثين.. هذا مسجل عندي.. كنت دائما ادفع للمربيات ثلاثين روبلا.. حسناً، لقد عملت لدينا شهرين
قالت: شهرين وخمسة أيام
قلت: شهرين بالضبط.. هكذا مسجل عندي.. إذن تستحقين ستين روبلا.. نخصم منها تسعة أيام آحاد.. فأنت لم تعلّمي كوليا في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط.. ثم ثلاثة أيام أعياد
تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن.. لم تنبس بكلمة
*******
واصلتُ: نخصم ثلاثة أعياد، إذن المجموع اثنا عشر روبلا.. وكان كوليا مريضاً أربعة أيام ولم تكن دروس.. كنت تدرسين لفاريا فقط.. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء.. إذن اثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. واحد وأربعون روبلا.. مضبوط؟
احمرّت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلأت بالدمع، وارتعش ذقنها.. وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة
*******
قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانا وطبقا.. نخصم روبلين.. الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض.. وبسبب تقصيرك تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته.. نخصم عشرة.. وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من فاريا حذاء.. ومن واجبك أن ترعي كل شيء، فأنتِ تتقاضين مرتباً.. وهكذا نخصم أيضا خمسة.. وفي 10 يناير أخذت مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا: لم آخذ
قلت: ولكن ذلك مسجل عندي
قالت: حسناً، ليكن
واصلتُ: من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين.. الباقي أربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع.. وظهرت حبات العرق على انفها الطويل الجميل.. يا للفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ غيرها
قلت: حقا؟ انظري، وأنا لم أسجل ذلك! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة، الباقي احد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي
ومددت لها احد عشر روبلا.. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة.. وهمست: شكراً
*******
انتفضتُ واقفا وأخذت أروح وأجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب
سألتها: شكراً على ماذا؟
قالت: على النقود
قلت: يا للشيطان، ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكراً؟
قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا
قلت: لم يعطوكِ؟! ليس هذا غريبا! لقد مزحتُ معك، لقنتك درسا قاسيا.. سأعطيك نقودك، الثمانين روبلا كلها! هاهي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب؟ هل يمكن أن تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة؟
ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: يمكن !
سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، الثمانين روبلا كلها.. فشكرتني بخجل وخرجت
تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ:
ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا

شارك هذا الموضوع...
Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Email this to someonePrint this page

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*