آراء

العنعنة الإنتاجية عندما تصنع الدراما المغربية بمنطق “الهوتة”

في قلب شركة الإنتاج الضخمة حيث تصنع قرارات الموسم الجديد على طاولات فاخرة وأمام شاشات عملاقة تعرض أرقام المشاهدة والإيرادات المتوقعة يجتمع كبار المنتجين لوضع اللمسات الأخيرة على مشاريعهم القادمة هناك تقرر مصائر المسلسلات وفق منهجية صارمة الإنتاج الضخم للأعمال المصرية والميزانيات المتواضعة للأعمال المغربية وفق مبدأ بسيط لكنه فعال بالنسبة لهم اصنع عملا يكفي لتغطية السوق لكن لا تجازف باستثمار حقيقي.

يبدأ الاجتماع بعرض ضخم لمسلسل مصري جديد قصة ملحمية مشوقة بطولة نجوم الصف الأول مواقع تصوير تمتد من القاهرة إلى باريس مشاهد أكشن تتطلب طائرات وسيارات رياضية ميزانية تقدر بملايين الدولارات الجميع متحمس لأنهم يعرفون أن هذا المسلسل لن يكون مجرد إنتاج عادي بل مشروعا استثماريا سيتم بيعه لمحطات عربية ومنصات رقمية وسيحقق أرباحا مضاعفة يتم التصديق على الميزانية فورا ويعطى الضوء الأخضر للبدء في التنفيذ بأعلى معايير الجودة.

لكن عند وصول الحديث إلى المسلسل المغربي يتغير الجو المسؤول عن التوزيع في التلفزيون الأجنبي الذي يمول هذه الأعمال يوضح أن الهدف ليس صنع عمل ينافس الإنتاج المصري بل مجرد محتوى يكفي لإرضاء السوق المغربي دون تكلفة كبيرة التلفزيون الأجنبي لا يريد أن ينفق كثيرا فيتعاقد مع شركة إنتاج أجنبية لتدبير العمل الشركة الأجنبية بدورها لا تريد أن تتحمل أعباء المشروع فتحيله إلى شركة إنتاج مغربية وهذه الأخيرة تستلم المشروع بميزانية ضئيلة تعلم منذ البداية أنها لن تسمح بإنتاج يضاهي المسلسلات الأخرى لكنها مضطرة لقبولها لأن الخيارات قليلة وهكذا يتحول العمل إلى مجرد منتج تكميلي خاضع لمنهج العنعنة:

– التلفزيون الأجنبي يطلب مسلسلا مغربيا لكنه لا يريد أن يدفع كثيرا.

– شركة الإنتاج الأجنبية تستلم المشروع لكنها تفرغ الميزانية وتحيله لشركة مغربية بفتات التمويل.

– شركة الإنتاج المغربية تقبل بالفتات وتحاول إنجاز المسلسل بأقل تكلفة ممكنة.

– الجمهور المغربي يعرض عليه العمل فيرى مسلسلا تم إنتاجه بنفس عقلية الهوتة وبتكلفة لا تساوي حتى مشهدا واحدا من المسلسل المصري الذي خرج من نفس الشركة.

يبدأ تصوير المسلسل المغربي في ظروف لا تقارن بمثيله المصري هناك في الإنتاج المصري تتجه الفرق الفنية إلى مواقع تصوير ضخمة بإضاءة محسوبة وكاميرات حديثة وخبراء مكياج وملابس يصنعون عوالم بصرية متكاملة هنا في المغرب يعاد استخدام نفس المواقع المستهلكة الممثلون يجلسون طويلا في نفس الصالون الذي ظهر في عشرات المسلسلات والكاميرا ثابتة لأن تحريكها يعني زيادة في التكاليف المخرج يحاول أن ينجز العمل بأفضل شكل ممكن لكنه يعرف أن الحدود مرسومة سلفا ولا مجال للمنافسة الحقيقية.

عند عرض العملين يكون الفارق واضحا المسلسل المصري يحقق مشاهدات ضخمة يتصدر التريند تناقشه الصحف والبرامج التلفزيونية يتم بيعه لمنصات دولية ويصبح جزءا من النقاش العام أما المسلسل المغربي فتمر حلقاته بهدوء يعلق عليه البعض مستهجنا جودة الإنتاج يدافع عنه آخرون بأنه على الأقل إنتاج محلي لكنه في النهاية لا يحدث الأثر المطلوب لأن صناعته لم تكن تهدف إلى أكثر من ملء الفراغات في جدول البث.

وهنا يعود السؤال الكبير لماذا لا يعامل المسلسل المغربي بنفس الجدية والاحترام الذي يعامل به نظيره المصري لماذا يستمر التلفزيون الأجنبي في فرض ميزانيات محدودة عليه رغم أن السوق المغربي غني بالقصص والمواهب لماذا تقبل شركات الإنتاج المغربية بهذا الدور الهامشي بدلا من فرض أعمالها كمشاريع حقيقية تستحق الاستثمار.

الجواب يكمن في عقلية الإنتاج لا في غياب المواهب أو القصص الإنتاج المصري يتم التعامل معه كمجال استثماري استراتيجي يمول بقوة ويسوق بذكاء ويستثمر فيه ليصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور أما الإنتاج المغربي فيترك ليدار بنفس المنطق القديم أقل تكلفة أقل مجهود أقل تأثير.

حتى يخرج المغرب من هذه الهوتة الإنتاجية يجب أن يتوقف عن قبول الفتات وأن يفرض مكانته كمنتج حقيقي لا مجرد مستهلك لما يصنع في الخارج لكن طالما ظل التلفزيون الأجنبي يعطي الميزانية لشركة أجنبية التي تمررها لشركة مغربية التي تنتج عملا محدود الإمكانيات فسنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة حيث يشاهد المغربي أعمالا ضخمة من إنتاج نفس الشركة لكنه لا يجد عملا مغربيا بنفس المستوى وكأن الجودة تظل دائما حكرا على الآخرين.

بقلم: عماد فجاج

 

مقترحة :