في رحاب دنيا ترقص فيها أرقام المليارات على قمم الثراء الشاهقة، وتتصارع فيها قوى الاقتصاد العاتية لبسط نفوذها على عوالمنا، يتجلى معنى للغنى الحقيقي، يتجاوز بريق الذهب الأخّاذ، ويكسر قيود تكديس الأموال. إنها حكاية بائع جرائد، ارتحلت روحه عبر آفاق العطاء، لترتقي فوق عروش الثراء الفاني، ولتُلقي بظلالها على بيل جيتس، الذي كان يومًا ما إمبراطور المال، لتُعلمه أن العطاء المتدفق من أعماق الروح، هو أثمن من كنوز الدنيا، وأن ثراء النفس، لا وفرة اليد، هو منبع الجود الحقيقي.
في غمرة مجده المالي، حين كان اسمه يتردد صدىً في أروقة المال والأعمال، سُئل بيل جيتس يومًا سؤالًا ارتجت له أركان الثراء: “هل في هذه الدنيا من هو أغنى منك؟” فجاء رده، كصاعقة في سماء الوجوه المتسائلة، صادمًا حد الذهول، ومثيرًا للتأمل العميق: “نعم، هناك روح واحدة، فاقت روحي غنىً وثراءً.” حينها، تكثفت علامات الدهشة على الوجوه، وتماهت التساؤلات في همس خافت، عن هوية هذا الثري الخفي، الذي استطاع أن يخلع جيتس عن عرش غناه.
استعاد جيتس شريط الذاكرة، لتعود به عقارب الزمن إلى سنوات خلت، حين كان شابًا يافعًا، يحمل في جعبته أحلامًا عملاقة، لمشروع مايكروسوفت الذي سيغير وجه العالم. في رحاب أحد مطارات نيويورك الصاخبة، لفت انتباهه بائع جرائد صغير، صبي يمتلك عينين سوداوين تلمعان بالبراءة، يحمل بين يديه عناوين الأخبار، كأنها نوافذ تطل على العالم. أراد جيتس أن يقتني جريدة، لكن يده عبثت في جيوبه، فلم تعثر على ما يكفي من العملات الصغيرة. همّ بالانصراف، خجلاً من موقفه، لكن يد الصبي الصغيرة، التي لم يلوثها غبار الدنيا، امتدت إليه حاملة الجريدة، وصوته الرقيق، كنسمة فجر، يهمس في أذنه: “تفضل، هذه الجريدة مني لك، هدية مني”. دهش جيتس من هذا الكرم غير المتوقع، وحاول أن يفسر للصبي عدم امتلاكه للمال الكافي، لكن الصبي أصر، بعزم لم يكسره الفقر: “خذها، أنا أهديها لك، فلتكن هذه الجريدة عربون مودتي”.
بعد ثلاثة أشهر، وكأن القدر يشاء أن يختبر أعماق العطاء، تكرر المشهد في نفس فضاء المطار. وجد جيتس نفسه في ذات الموقف، تفتقر يده لقطع النقد لشراء جريدة، وإذا بالصبي ذاته، يمد يده بالجريدة، وبنفس الصوت الندي يقول: “خذها!”. حينها، لم يستطع جيتس كبت فضوله الذي أوقدته جذوة الجود، وسأل الصبي، متأملًا في قسمات وجهه البريئة: “يا بني، هل أنت على هذه السجية مع كل عابر سبيل يصادفك في هذا الموقف؟” فجاء رده الصادق، الذي حفر في ذاكرة جيتس، كنقش على صخر أصم: “أجل.. أنا عندما أعطي.. أعطي من أعماق قلبي.. وهذا العطاء، يجعلني ألامس السعادة والراحة، كأنما احتضنت الكون”. تلك الجملة، مصحوبة بنظرات الصبي البريئة، التي كانت كمرآة تعكس نقاء روحه، بقيت عالقة في ذهن جيتس، يقلبها في فكره، يتساءل عن سر هذا العطاء النقي، الذي ينبع من ينابيع الروح الصافية، لا من جفاف المادة.
بعد مرور تسعة عشر عامًا، وقد بلغ جيتس أوج ثرائه، وتوج على عرش أغنى رجال العالم، لم ينسَ ذلك الصبي الذي زرع فيه بذرة العطاء. قرر أن يبحث عنه، لا ليرد له الجميل بالمال، بل ليرد لروحه الطيبة، جزءًا من السكينة التي منحها إياه. كلف فريقًا كاملاً بمهمة البحث عن “الصبي الأسود الذي كان يبيع الجرائد في ذلك المطار الفلاني”. وبعد شهر ونصف من البحث الدؤوب، الذي تتبع خيوط الأمل في دروب النسيان، عُثر على الصبي، الذي أصبح شابًا يافعًا، يعمل حارسًا على بوابة أحد المسارح، كأنه حارس على أبواب القناعة والرضا.
دعا جيتس الشاب إلى مكتبه الفخم، الذي كان يتسع لآلاف الأحلام، وسأله بنبرة تحمل ترقبًا عميقًا: “هل تتعرف عليّ؟” أجاب الشاب ببساطة لا تعرف التكلف: “نعم، أنت السيد بيل جيتس، اسمك يتردد على كل لسان، الجميع يعرفك.” حينها، روى جيتس للشاب قصة الجريدتين اللتين أهداهما له في صغره، وكأنما يستعيد لحظات خالدة في زمنها. سأله جيتس: “لماذا فعلت ذلك، لماذا أهديتني شيئًا دون مقابل؟” فكان جواب الشاب، كشلال من الحكمة، يتدفق في أذن جيتس: “لا يوجد سبب محدد، ولكني عندما أعطي شيئًا دون مقابل، أشعر بالراحة والسعادة، وهذا الشعور، يا سيدي، يكفيني لأطير في فضاءات الكون”.
لم يجد جيتس كلمات تصف امتنانه، وعرض على الشاب أن يرد له الجميل، وأن يعطيه أي شيء يطلبه، كأنما يفتح أمامه أبواب الجنة. ضحك الشاب ضحكة صافية، كأنما ينبعث من عينيه نور القناعة، وقال: “أي شيء أريده؟ هل هذا حقيقي؟” أكد جيتس له أن طلبه مجاب، وأن كلمته لا تعرف التراجع، لكن الشاب رفض بلباقة، تحمل في طياتها عظمة النفس:
“شكرًا لك يا سيدي، ولكني لست بحاجة لأي شيء، فلقد وجدت كنوزي في روحي”. أصر جيتس على تعويضه، كأنما يريد أن يمحو دينًا في سجل حياته، لكن الشاب قاطعه بكلمات ذهبية، سطعت في عقل جيتس كنجمة مضيئة: “يا سيد بيل جيتس، لديك القدرة لتفعل ذلك، لتمتلك ما لا يمتلكه أحد، ولكنك لا يمكنك أن تعوضني عما منحته إياك”. دهش جيتس، وسأله عن مغزى كلامه، فأجاب الشاب بهدوء، كأنما يعزف لحن الحكمة: “الفرق بيني وبينك.. إنني أعطيتك وأنا في أوج فقري وحاجتي، لم يكن لدي إلا روحي، أما أنت الآن تريد أن تعطيني وأنت في أوج غناك وقوتك، وهذا لن يعوضني.. ولكن لطفك هذا، يا سيدي، يغمرني، فياله من كرم.. فشكرًا لك يا سيدي، شكرًا على لطفك الذي بلغ عنان السماء”.
هذه الكلمات البليغة، التي نبعت من قلب غني بالرضا والقناعة، جعلت بيل جيتس يشعر حقًا أن هذا الشاب أغنى منه. لقد أدرك جيتس أن أفضل أنواع العطاء هو الذي يمنح فيه المرء، وهو في أمس الحاجة، وأن لذة العطاء، التي تشع من أعماق الروح، تفوق بمراحل لذة الأخذ، التي تظل أسيرة قيود المادة. وهكذا، علم بائع الجرائد البسيط، بقلبه الكبير، ونفسه المعطاءة، أغنى رجل في العالم، درسًا في الغنى الحقيقي، الذي لا يقاس بالمال، ولا يوزن بالموازين، بل يقاس بروح العطاء، وسخاء النفس، ونقاء القلب.
بقلم: عبد الكريم غيلان /كاتب رأي