آراء

الثعبان الأسود…حين يصحح المقدّس أخطاء السياسة في أيت بوكماز

بقلم: عمر إفضن
في قلب جبال الأطلس، وتحديدًا بهضبة أيت بوكماز، لا تُقاس الحياة فقط بدرجات الحرارة أو ارتفاع الجبال، بل بعمق الرموز وتاريخ الذاكرة. هناك، تقف قصبة سيدي موسى شامخة منذ قرون، تحرسها أبراج من طين وأسطورة من روح: ثعبان أسود ضخم يسكن القصبة ويُقال إنه لا يزال يحرس ضريح الولي الصالح سيدي موسى.
في الوجدان الأمازيغي، الثعبان ليس رمزًا للشر كما يراه البعض، بل كائن مقدّس، بوابة بين العوالم، ولسان الأرض عندما تُنتهك حُرمتها. ولعل هذا “اللسان” استيقظ اليوم، حين أحس بأن الهوية تُخدش، وبأن الحقل الرمزي يُستباح بأيدي أبناء التيارات الدخيلة، وتحت شعارات لا تمتّ للمجال بأية صلة.
فكيف نفسّر ما وقع مؤخرًا؟
مسيرة احتجاجية غير مسبوقة، قطع فيها سكان أيت بوكماز أزيد من 100 كلم مشيًا على الأقدام نحو أزيلال، ليس رفضًا لنظام، ولا طمعًا في مكاسب سياسية، بل طلبًا بسيطًا: طريق، مستشفى، ملعب، وإنترنت.
لكنّ ما يكمن خلف هذا الحراك أعمق بكثير.
ففي الوقت الذي تُحاصَر فيه البلدة معنويًا، ويُسخَّر رئيسها – الأمازيغي البسيط – كواجهة سياسية، تحت تأثير تيار الإسلامويين الذين استغلوا براءته، جاء الرد من حيث لا يتوقع أحد.
الثعبان خرج، لا ليُرعب، بل ليُصحّح…!!
ولأن لعنة الوعي السياسي دائمًا ما تبدأ من المغرر بهم، كانت الضحية الأولى هو الرئيس نفسه، الذي وجد نفسه محاصرًا من السلطة، ومعزولًا من أهله، بعدما استُخدم كمجرد “كَبش فداء”، تمامًا كما حدث مع كثير من الأمازيغ الذين استُغلت طيبتهم في حقب ما بعد الاستقلال، من سنوات الرصاص إلى زمن الإسلام السياسي.
إن ما يحدث في أيت بوكماز اليوم ليس تمردًا… بل تصحيحٌ رمزي لمسار مُشوَّه.
القصبة تتكلم، والثعبان يشير: هذه الأرض تتكلم أمازيغية، ومن أراد أن يفرض عليها لغة أو اسمًا أو سلطة دخيلة، فالجبال كفيلة بأن ترد.
لقد آن الأوان لفهم رسالة الحراك الأمازيغي في عمقه الرمزي:
إنه ليس صراعًا على مطالب اجتماعية فقط، بل دفاعٌ عن قداسة المجال، وكرامة الإنسان، ولغة الأرض.

مقترحة :