يثير المقال الذي نشرته صحيفة “لوموند” حول الملك محمد السادس وموضوع الخلافة تساؤلات حول أخلاقيات ونهجها الصحفي. فمن خلال تناولها لمواضيع حساسة مثل صحة الملك والتوترات داخل النخبة المغربية، يبدو أن الصحيفة تتبع استراتيجية تعطي الأولوية للإثارة على حساب التحليل الدقيق والاحترام. ويثير هذا النهج عدة نقاط للنقد:
استغلال صحة الملك:
إن التركيز على الحالة الصحية للملك لتقديم موضوع جاد مثل الخلافة يمكن اعتباره مناورة لإثارة الضجة. يجب على الصحافة، حتى الاستقصائية، أن تتعامل بحذر عندما تتناول مسائل الحياة الخاصة، حتى لو تعلق الأمر برئيس دولة. ويمكن أن يؤدي التركيز على هذا الجانب إلى خلق جو من الاستعجال أو الأزمة لا يعكس بالضرورة الواقع على الأرض، وقد يؤدي إلى استنتاجات متسرعة.
أحكام مسبقة ذات طابع استعماري:
يمكن تفسير المقال على أنه يندرج في سياق تقليد معين للصحافة الغربية التي، عند تناولها للمسائل السياسية في بلدان الجنوب، تستخدم منظورًا اختزاليًا. ويمكن اعتبار فكرة “صراعات النفوذ والمكائد” مثالًا على الأحكام المسبقة التي تصور أنظمة الحكم غير الغربية على أنها عتيقة، وغير مستقرة، وتخضع لممارسات سلطوية “من عهد آخر”. ويهمل هذا النهج المبسط تعقيدات الديناميكيات السياسية والاجتماعية الخاصة بالمغرب، وهو بلد ذو تاريخ عريق ومؤسسات قوية.
استنتاج متسرع بشأن الخلافة:
من خلال الإشارة في العنوان إلى “نهاية عهد”، يخاطر المقال بوقوع خطأ صحفي جسيم. فهذه الصيغة لا تحكم مسبقًا على مستقبل المغرب السياسي فحسب، بل تبدو أيضًا وكأنها تختتم نقاشًا معقدًا قبل أن يتم استكشافه بالكامل. فالخلافة في المغرب ليست مجرد مسألة صحة أو خلافات في القصر، بل هي أيضًا مسألة شرعية واستمرارية سلالية واستقرار مؤسسي، وهي كلها عناصر لا يمكن تلخيصها في بضع عبارات جذابة.
معايير مزدوجة:
من المثير للتأمل أن نعيد النظر في صفحات التاريخ الفرنسي، حيث نجد أمثلة لقادة قادوا الأمة وهم يواجهون أمراضًا جسيمة، دون أن يلقي ذلك بظلال من الشك على شرعية حكمهم. ولعل أبرز هذه الأمثلة هو الرئيس فرانسوا ميتران، الذي أصيب بمرض السرطان في بداية ولايته الأولى عام 1981. ورغم ذلك، لم يتخلَّ عن مهامه، بل استمر في قيادة البلاد بكامل صلاحياته حتى نهاية ولايته الثانية عام 1995.
المفارقة اللافتة تكمن في أن قصر الإليزيه اكتفى آنذاك ببيانات مقتضبة تطمئن الرأي العام، في حين تولّت الصحافة الفرنسية، وعلى رأسها صحيفة لوموند المرموقة، مهمة الدفاع عن حق الرئيس في الاستمرار بمنصبه، معتبرةً أن مرضه لا ينقص من قدرته على الحكم. ألا يدفعنا هذا الموقف إلى التساؤل عن وجود تناقض صارخ في المعايير التي نحتكم إليها؟
وفي الختام، رغم أن للصحافة دورًا أساسيًا في إعلام الجمهور، يجب أن تكون مسؤولة وألا تستسلم لإغراء الإثارة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع حساسة. ويبدو أن مقال “لوموند” بنهجه هذا لا يفتقر إلى الدقة بل إنه يخاطر أيضًا بتعزيز الصور النمطية التي تضر بفهم متوازن للسياسة المغربية.
إن المغرب اليوم، بما يمتلكه من تلاحم فريد بين عرشه وشعبه، غنيٌ عن أي دروس أو تحليلات وافدة من الخارج. ففي هذا الترابط المتجذر تكمن قوته الحقيقية التي تمكنه من استشراف المستقبل بخطى واثقة وآمنة.
عبد الكريم غيلان: كاتب رأي