تَنصّبُ الأبصارُ على مَشهدٍ آسِرٍ، ليس مُجردَ لقطةٍ عابرةٍ، بل تَنفسُ الكوْنِ في عدسةٍ مُصوّرةٍ، التقطتهُ سَريرةُ الفنّ عند شاطئ سيدي إفني، تلك الدُرّةُ المتوّجةُ على صَدْرِ الجنوب المغربي. إنها ليست مُجردَ وداعٍ شمسيٍّ، بل أُعجوبةٌ بصريةٌ تُجسّدُ السحرَ الأبديّ لِما كان يُعرف بـ “قديسة البحر الصغير” أو “Santa Cruz de Mar Pequeña” في دفاترِ المُستعمر الإسباني. وما زالت هذه المدينةُ تُقسمُ في عيونِ مُحبيها أنها الفردوسُ الذي وُلِدَ من رَحِمِ المحيطِ، والأجملُ على الإطلاق.
هنا، تتهيأُ الشمسُ لِلغوصِ في غياهبِ الأفقِ الشاسعِ، لا كقرصٍ بل كـ نصفِ دائرةٍ ذهبيةٍ من نارٍ ووهجٍ، تُلقي بأشعتها كـ قُبَلٍ دافئةٍ على صفحةِ المحيطِ الذي يرتدي ثوبَ السكونِ. تتصاعدُ السماءُ مُتخذةً شكلَ سيمفونيةٍ لونيةٍ مُترفةٍ؛ حيثُ يَعقدُ الأزرقُ المُخمليُّ في الأعالي عهدَ اندماجٍ مع جَذوةِ البرتقاليِّ والذهبيِّ والنحاسيِّ عندَ حافةِ اللقاءِ. وتلك السُحبُ المُتفرقةُ ليست إلا لمساتِ ريشةِ قَدَرٍ، تُضفي على المشهدِ غُموضاً بهيّاً.
وفي الأسفل، يَتلاشى الرملُ في احتضانٍ رقيقٍ لـ زَفَراتِ الأمواجِ الخفيفةِ، وتَنهضُ خيالاتٌ ظليةٌ لِلمُتنزّهين، كأنها نقاطٌ من الصمتِ المُتأمّلِ، شُهودٌ على عظمةِ التجلي. إنها لحظةٌ شفّافةٌ، تكادُ تكونُ روحانيةً، يَستنشقُ فيها الوجدانُ عَبقَ التاريخِ الموشومِ ولُغةَ الجمالِ الفِطريةَ التي تَتَرَبّعُ بها سيدي إفني على عَرشِ الجاذبيةِ بِرونقِها الهادئِ. هذه الصورةُ هي دعوةٌ صريحةٌ لِلسفرِ إلى أعماقِ الذاتِ، عبرَ سِحرِ مكانٍ يَمزجُ بينَ أصالةِ المغربِ العتيقةِ وهَمسِ المحيطِ الساحرِ.عبد الكريم غيلان: كاتب رأي