إن طرح الحكم الذاتي للصحراء المغربية يقتضي الانتباه إلى ما يمكن أن يحمله هذا المقترح من مخاطر تتجلى بوضوح في ما تعرفه بعض البلدان التي سبقتنا في هذا المجال. ففي اسبانيا تسعى كاتالونيا والباسك إلى الانتقال من حكومة جهوية ذات سلطات واسعة إلى انفصال عن الدولة الاسبانية وبناء دولة كاتالونية وباسكية مستقلة، ونفس الشيء تعرفه بلجيكا. أما الأكراد فقد وصلوا إلى بناء دولة كردية بحكومتها وبرلمانها وجيشها داخل دولة العراق. إن هذه النماذج وغيرها من التجارب التاريخية، التي عرضت وحدة الشعوب والأوطان الى مخاطر التجزيئ والتقسيم، وارتباطا بموقف حزبنا الرابط جدليا بين السيادة الوطنية والسيادة الشعبية، فإن أية اتفاقية تمس الوحدة الوطنية والشعبية لن تكتسب مشروعيتها الديمقراطية والدستورية إلا عبر استفتاء عام شعبي حر ونزيه.
لقد كان رأي حزبنا ومنذ 1976 ” أن إقامة نظام لا مركزي ديمقراطي في الصحراء شيء أساسي وضروري لأن الوضع الجغرافي والاقتصادي والبشري يفرض ذلك ” غير أن أصحاب القرار حينئذ ، وبعد التزوير الفاضح لإرادة الشعب في الانتخابات البلدية (76) والبرلمانية (77) اعتقدوا أنهم بوسائل التدليس والتزويــــر والاستفراد بالقرارات سيحلون مشكل الصحراء ويستطيعون بسهولة أن يدمجوا دون قيد أو شرط جزءا من الشعب المغربي غيبه الاستعمار الاسباني نفسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا عن إخوانه في الشمال بمن فيهم أولئك الذين اضطروا إلى الهجرة إلى الشمال هربا من بطش الاستعمار وجبروته.
واليوم، وبعد مضي قرابة (35) خمس وثلاثين سنة على موقف حزبنا يقرر الحكم التنازل وقبول التفاوض بعد أن قبل باستفتاء لجزء من أبناء الوطن، ثم عاد ليقترح منح أقاليم الصحراء حكما ذاتيا موسعا دون إدراك لمخاطر ذلك المشروع عن وحدة الوطن والشعب، والرضوخ مرة أخرى للضغوطات الخارجية كما وقع من قبل في قمة نيروبي بالقبول بمبدأ حق تقرير المصير الجزئي.
الديمقراطية وحق تقرير المصير :
وسواء أدت المفاوضات المتعثرة حول الحكم الذاتي إلى النتائج المرجوة أو فشلت، فإن المغرب موجود فوق ترابه في الصحراء وإن حزبنا لن يقبل التنازل عن أراضيه المغتصبة سواء في الشمال أو الشرق أو الجنوب لأن حزبنا يرفض التسويات التي تمس وحدة المغرب لمجرد أن الاستعمار ضم أجزاء من وطننا إلى أرض كان يظن أنها ستبقى إلى الأبد جزءا من ترابه، وأن السيادة الوطنية لن تبقى في منأى عن أية منازعة أو أطماع داخلية أو خارجية إلا بإقرار السيادة الشعبية وتقتضي الضرورة التاريخية والديمقراطية إقرار الجهوية الموسعة على أسس ديمقراطية والمساواة الفعلية بين الجهات مع مراعاة الخصوصيات البشرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية (يمكن الرجوع الى مذكرة الحزب بخصوص الجهوية الموسعة) وعدم الاكتفاء بالعنصر الجغرافي وحده حتى لا يستمر الوضع الذي خلقه الاستعمار عندما قسم المغرب إلى مغربين، مغرب نافع وضعت فيه البنيات التحتية وأرسيت فيه قواعد الاستغلال الرأسمالي ومغرب غير نافع اكتفى فيه الاستعمار بشق الطرق التي تسهل انتقال أدوات القمع والإرهاب إلى أبعد نقطة يمكن أن تعارض قراراته. وقد استمر هذا الوضع إلى اليوم، الأمر الذي يقتضي قبل تطبيق الجهوية الموسعة دعم المناطق التي ظلت مهمشة منذ عقود إن لم تكن منذ قرون للارتقاء بها إلى مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والبشري الذي عرفه جزء من الشريط الساحلي الذي اعتمد عليه الاستعمار الفرنسي والاسباني لاستغلال خيرات البلاد وقهر العباد وأول ما يجب الانتباه إليه هو الإقلاع عن سياسة شراء الوطنية الزائفة والاعتماد على الأعيان خاصة منهم الذين استفادوا من علاقاتهم المشبوهة مع الاستعمار أو ورثتهم والذين لا زالوا يستفيدون من ريع وهبات المخزن. إذ لا يمكن أن يبني الوطن إلا المخلصون من أبنائه متى توافرت لهم شروط تكافؤ الفــرص والديمقراطية الشاملة التي ترفع من شأن الكفاءات وتشجع المخلصين وتحاسب المخلين أيا كان موقعهم ومستواهم ومسؤولياتهم.
* مقتطف من الورقة السياسية المصادق عليها في المؤتمر الوطني السابع لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي – 2012