هام وطنيات

“الصحة لا تُبنى بالأقراص فقط”: طبيب يكشف كواليس معاناة المرضى في المغرب

وجه الدكتور محمد بوتباوشت، طبيب وباحث في الطب الوظيفي وفاعل جمعوي في مجال الإعاقة والصحة الوقائية، رسالة مفتوحة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، دعا فيها إلى إحداث تحول جذري في مقاربة تدبير المنظومة الصحية الوطنية، معتبرا أن النموذج الحالي لم يعد قادرا على مواكبة التحولات الصحية العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي.

وأوضح بوتباوشت أن الارتفاع المتسارع للأمراض المزمنة، واضطرابات المناعة والاستقلاب، والأمراض العصبية، وحالات الإعاقة، يكشف محدودية الطب القائم أساسا على معالجة الأعراض بالأدوية، دون التوجه نحو فهم الجذور البيولوجية والبيئية والغذائية للمرض.

وشدد الطبيب الباحث على أن التجارب الدولية الحديثة، خاصة في الولايات المتحدة، أبانت أن الإبقاء على نموذج صحي تفاعلي لا وقائي يؤدي إلى تضخم كلفة العلاج، وتكريس المرض المزمن، وإنهاك المريض والمنظومة الصحية معًا. واعتبر أن الصحة اليوم يجب أن تُدار بمنطق الوقاية والتدخل المبكر، لا برد الفعل.

وأكد بوتباوشت أن النموذج الغذائي الصناعي الحديث بات أحد العوامل الرئيسية وراء انتشار داء السكري، السمنة، أمراض القلب، بعض أنواع السرطان، إضافة إلى الاضطرابات النفسية والعصبية. ودعا إلى إدماج التغذية العلاجية في القرار الطبي، وتكوين الأطباء على فهم العلاقة بين الغذاء، الالتهاب، الميتوكوندريا، والهرمونات، بدل الاكتفاء بالوصفات الدوائية.

وفي ما يخص ملف الإعاقة، اعتبر المتحدث أن المقاربة الحالية، التي تركز أساسا على الدعم الاجتماعي والترويض، تظل غير كافية. وأبرز أن الأبحاث الحديثة تربط جزءًا مهمًا من اضطرابات النمو العصبي، كالتوحد والإعاقات الذهنية، بعوامل وظيفية مثل خلل الميكروبيوتا، الالتهاب العصبي، التسممات البيئية، والاختلالات الأيضية خلال الحمل والطفولة المبكرة.

وأشار إلى أن أطفال متلازمة داون والتوحد يعانون غالبا من اختلالات في الغدة الدرقية ومتلازمة توقف التنفس أثناء النوم، وهي عوامل تؤثر بشكل مباشر على التطور الذهني والجسدي، دون أن تحظى بالعناية الكافية داخل المنظومة الصحية العمومية.

ودعا الدكتور بوتباوشت إلى مراجعة علمية جريئة لبرامج رعاية الأمومة، خاصة ما يتعلق بالتكميل الروتيني بالحديد وحمض الفوليك الصناعي، محذرًا من مخاطرهما عند إعطائهما دون تقييم دقيق للحاجة والامتصاص. وأكد أن اختلافات جينية شائعة تجعل نسبة من النساء غير قادرات على استقلاب حمض الفوليك الصناعي بشكل فعال، ما قد ينعكس سلبًا على تطور الجهاز العصبي للجنين.

واقترح إطلاق برنامج وطني جديد للأمومة يرتكز على تحسين جودة الغذاء، وتقييم الامتصاص المعوي، وتقليص التكميل العشوائي، مع إعطاء الأولوية لعناصر أساسية مثل المغنيزيوم، فيتامين D، الزنك، وصيغة الفولات النشطة.

وفي محور آخر، شدد الطبيب الباحث على ضرورة مراجعة منظومة تكوين الأطباء، معتبرا أن التكوين الحالي يُخرج أطباء متمكنين من التشخيص، لكنهم محدودون في فهم الأمراض المعقدة متعددة الأسباب. ودعا إلى إدماج الطب الوظيفي، الجزيئي، التغذية العلاجية السريرية، علم الميكروبيوتا، والالتهاب منخفض الدرجة، كامتداد علمي للطب الكلاسيكي.

وختم بوتباوشت رسالته بالتأكيد على أن الاستمرار في علاج المضاعفات بدل الوقاية من أسبابها يشكل نزيفا صامتا للميزانية الصحية، في حين أن الاستثمار في الوقاية، والتغذية، والتكوين العلمي المتقدم، يمثل رهانا حقيقيًا على صحة الإنسان، والإنتاجية، والكرامة الصحية، والسيادة الطبية الوطنية.

مقترحة :