في زمن تتكاثر فيه بؤر التوتر، وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية على نحو غير مسبوق، لم يعد الأمن مجرد وظيفة تقليدية للدولة، بل أضحى ركيزة استراتيجية تحدد موقع الدول في سلم التأثير الدولي، ومقياسًا حاسمًا لقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. فالتاريخ، قديمه وحديثه، يؤكد أن العمران لا يُبنى فوق أرض مضطربة، وأن الاستثمار لا يزدهر في بيئة يطغى عليها اللايقين.
ضمن هذا السياق الدولي المعقد، يبرز المغرب كاستثناء نسبي في محيط إقليمي مثقل بالأزمات، حيث استطاع أن يرسخ لنفسه نموذجًا قائمًا على التوازن بين الأمن والانفتاح، وبين الاستقرار والإصلاح، وهو ما مكنه من تعزيز موقعه كقطب إقليمي صاعد في شمال إفريقيا وغربها.
ولم يكن هذا التموقع وليد ظرفية عابرة، بل هو حصيلة مسار تراكمي طويل من بناء الدولة الحديثة، وتحصين مؤسساتها، وتطوير عقيدتها الأمنية، في ظل رؤية استراتيجية تستحضر التحديات الداخلية والتحولات الدولية في آن واحد. فقد أظهرت تقارير دولية حديثة أن المغرب يواصل تعزيز موقعه ضمن الدول الأكثر أمانًا، حيث صنفته منصة HelloSafe لسنة 2026 في المرتبة 42 عالميًا، بمؤشر يناهز 73/100، وهو تصنيف يعكس توازنًا لافتًا بين الأمن العام والاستقرار السياسي والأمن الرقمي.
كما يكرس مؤشر السلام العالمي هذا المنحى، إذ حافظ المغرب على موقع متقدم نسبيًا سنة 2025، محتلاً المرتبة 85 عالميًا، مع حضوره ضمن العشر الأوائل إفريقيًا، في وقت يشهد فيه العالم تراجعًا عامًا في مستويات السلام، وارتفاعًا مقلقًا في النزاعات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود.
غير أن قراءة هذا التميز لا تكتمل دون الوقوف عند محدداته العميقة. فالمغرب يتميز باستقرار مؤسساتي متين، قائم على استمرارية الدولة، وتوازن السلط، ومرونة في التفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية. كما أن الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة خلال العقد الأخير أسهمت في تعزيز الثقة في المؤسسات، وتوسيع هامش المشاركة السياسية، بما يرسخ مناعة الجبهة الداخلية.
وعلى المستوى الأمني، طوّر المغرب نموذجًا متقدمًا في تدبير المخاطر، يقوم على الاحترافية العالية، والتنسيق المحكم بين مختلف الأجهزة، مع توظيف متزايد للتكنولوجيا الحديثة في مجالات المراقبة، وتحليل البيانات، ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. وقد مكن هذا النموذج من تعزيز الإحساس العام بالأمن، وجعل المدن الكبرى فضاءات جاذبة للاستثمار والسياحة، رغم التحديات المرتبطة بالتحضر المتسارع.
ولا يقف أثر هذا الاستقرار عند حدوده الأمنية، بل يمتد ليشكل رافعة اقتصادية حقيقية. فقد صنّفت مؤسسات دولية، من بينها Allianz Trade، المغرب ضمن الوجهات الأكثر أمانًا للاستثمار في القارة الإفريقية، وهو ما يعزز جاذبيته لرؤوس الأموال الأجنبية، ويدعم تموقعه في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في قطاعات واعدة كالصناعة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي.
كما أن الاستقرار المغربي يكتسب بعدًا استراتيجيًا إضافيًا في ظل موقعه الجيوسياسي، باعتباره حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وشريكًا موثوقًا في قضايا الأمن الإقليمي، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وهو ما يعزز حضوره في الأجندة الدولية كشريك فاعل ومسؤول.
غير أن هذا النموذج، رغم صلابته، يظل في حاجة دائمة إلى التحصين والتجديد. فاستدامة الاستقرار تقتضي مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الأمن الصلب في بناء الاستقرار الشامل.
كما أن التحولات الرقمية المتسارعة، وتصاعد التهديدات السيبرانية، يفرضان على المغرب تسريع وتيرة تحديث بنياته التحتية الرقمية، وتعزيز أمنه السيبراني، بما يواكب رهانات العصر ويحصن مكتسباته.
إن التجربة المغربية تؤكد أن الاستقرار ليس حالة جامدة، بل هو عملية دينامية مستمرة، تتطلب يقظة دائمة، وتوازناً دقيقًا بين السلطة والحرية، وبين الأمن والتنمية. وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب، يصبح الحفاظ على هذا التوازن إنجازًا استراتيجيًا في حد ذاته.
وهكذا، يمضي المغرب بثبات في ترسيخ نموذجه المتفرد، حيث يتحول الأمن إلى رأسمال غير مادي، والاستقرار إلى قوة ناعمة، والإصلاح إلى أفق مفتوح. نموذج قوامه التدرج، وعماده المؤسسات، وهدفه الإنسان.
وصفوة القول، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على حماية تماسكها الداخلي، وصون استقرارها، وتحويله إلى رافعة للتنمية. والمغرب، وهو يراكم مكتسباته بثقة، يدرك أن هذا الرصيد ليس معطى نهائيًا، بل مسؤولية جماعية متجددة، بها تُبنى الأوطان وتُصان الحضارات.
بقلم: حسن كرياط