بيئة ومناخ

مشاكل بالجملة في محطة “مزار” بأكادير لتصفية المياه العادمة تهدد بكوارث مستقبلية

تتصاعد حدة القلق في أوساط الساكنة بأكادير حيال مشروع توسعة محطة “مزار” لتصفية المياه العادمة، حيث كشفت شهادات حصرية ومعطيات ميدانية عن اختلالات بنيوية خطيرة تضرب في عمق المعايير التقنية المسطرة. هذا المشروع، الذي أطلقته الوكالة المستقلة (RAMSA سابقا) بميزانية ضخمة تصل إلى 950 مليون درهم لرفع القدرة الاستيعابية من 30 ألفا إلى 66 ألف متر مكعب يوميا، بات يواجه اتهامات وشبهات بوجود “غش ممنهج” و”تواطؤ مفترض” بين أطراف متعددة، مما يضع مستقبل البنية التحتية المائية للمدينة على كف عفريت. فأين اختفت ضمانات الجودة في مشروع كلف قرابة مليار درهم من المال العام؟

“تلاعب بالمعايير”
تفيد المعطيات التقنية بوجود خروقات جسيمة طالت عملية صب الخرسانة الخاصة بالأساسات الضخمة (Les Radiers)، حيث تشير شهادات من داخل الورش إلى استخدام إسمنت لا يستجيب للمواصفات المقاومة للتآكل الكيميائي والأملاح. والأخطر من ذلك هو ظهور تشققات عميقة في بعض المنشآت تم التكتم عليها و”ترميمها” بعيدا عن أعين المراقبة، دون مراعاة لحجم المشروع الذي يهدف لسقي 1050 هكتارا من المساحات الخضراء وملاعب الغولف.
إن القبول بمواد بناء دون المستوى والسرعة المفرطة في الإنجاز يقلص العمر الافتراضي للمحطة ويجعلها عرضة لانهيارات مفاجئة وتسربات ملوثة نحو الفرشة المائية الباطنية في غضون سنوات قليلة.. وهنا يطرح السؤال الجوهري: كيف تمر هذه التصدعات العميقة دون تقارير تقنية شفافة تحدد المسؤوليات؟

مربع التواطؤ
ما يثير الريبة هو حالة الصمت المطبق ومباركة هذه التجاوزات من طرف جهات كان من المفترض أن تكون “حارس الجودة”. حيث تتحدث المصادر عن “مربع تواطؤ” يجمع بين الشركة المنفذة (SNCH) ومكتب الدراسات والمختبر المكلف بالمراقبة (LP2E) وشركة الاسمنت، تحت أنظار المسؤولين في الشركة الجهوية.
وتؤكد هذه الشهادات أن محاضر المطابقة لم تُوقع في بعض الأحيان من طرف المسؤولين تجنبا لتحمل المسؤولية، أو وقعت من أطراف غير مكلفة بالمراقبة دون مراعاة الاختبارات الميدانية اللازمة لضغط القنوات أو صلابة الأحواض. ألا تفرض مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة فتح تحقيق عاجل ونزيه لكشف خيوط هذا التحالف المشبوه الذي يهدر المال العام؟

مستقبل غير مطمئن
إن هذه التجاوزات الجديدة لا يمكن فصلها عن سياق تاريخي حافل بالأعطاب المزمنة في محطة “مزار”، وهي الإخفاقات التي أدت سابقا إلى انفجار قنوات رئيسية وفيضانات من المياه الملوثة التي أزكمت أنوف السكان ولوثت المحيط البيئي الحساس لوادي سوس. بل وصل الأمر إلى حد تحول المساحات الخضراء في قلب المناطق السياحية للمدينة إلى ما يشبه “مراحيض مفتوحة” تنبعث منها روائح “البول” الكريهة، مما خدش صورة عاصمة السياحة الشاطئية.

وأمام هذا الوضع، يصبح التساؤل عن المستقبل ضرورة ملحة: إلى متى ستظل مشاريع التطهير السائل بأكادير رهينة صفقات تفتقر للشفافية وتفتقد لروح المسؤولية والوطنية؟ إن الاستمرار في نهج “التستر” على العيوب البنيوية يضرب صدقية الشعارات البيئية في مقتل، ويحول المحطة من “طوق نجاة” للأزمة المائية إلى بؤرة للتلوث المستدام.

إن الرأي العام السوسي لا ينتظر وعودا فضفاضة، بل يطالب بأجوبة واضحة وإجراءات ملموسة من السلطات الوصية لوقف هذا النزيف التقني والمالي، وضمان ألا تتحول محطة “مزار” إلى “قنبلة بيئية موقوتة” تهدد حق الأجيال القادمة في بيئة سليمة ومستدامة.

مقترحة :