آراء جهويات

إقليم سيدي إفني بين مطرقة “الوجاهة” وسندان التهميش: حين تُذبح التنمية على مقصلة الوعود

​تُعدُّ الأمانة النيابية ميثاقاً غليظاً، واستحقاقاً وطنياً يربط المُنتخَب بوجدان التراب الذي ائتمنه على صوته؛ فهي ليست مجرد تشريف، بل تكليف جسيم يستوجب زاداً من الكفاءة ورؤيةً استراتيجية تترفع عن الحسابات الضيقة. غير أن المتأمل في المشهد السياسي بإقليم سيدي إفني، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة وحصيلة باهتة، حيث تبخرت الوعود الوردية بمجرد اعتلاء كراسي التشريع، وتوارى نبض الإقليم خلف أسوار العاصمة.
​أزمة كفاءة.. “فاقد الشيء لا يعطيه”
​إن جوهر العمل البرلماني يقوم على الترافع المؤسساتي المستند إلى قوة الحجة وعمق التكوين، لكن الواقع المرير يكشف عن “أزمة كفاءة” حقيقية لدى “أعيان” سيطروا على المشهد السياسي، متخذين من التمثيلية وسيلة للوجاهة لا لخدمة الصالح العام. ومع الضعف البين في المستوى التعليمي والرؤية السياسية، تحول دور هؤلاء من “مشرعين ومراقبين” إلى مجرد “أرقام” في لوائح الحضور، يستنزفون تعويضات من مال الشعب دون مردودية تُذكر؛ فمن لا يملك تكويناً رصيناً، لن يستطيع انتزاع مشاريع كبرى أو كسر قيود التهميش، ليصدق فيهم القول: “فاقد الشيء لا يعطيه”.
جزر معزولة: إدارة شابة في مواجهة ركود سياسي
​ومن مفارقات الإدارة والسياسة بالإقليم، أنه في الوقت الذي حظي فيه بنخبة من الأطر الإدارية الشابة والكفؤة، من خريجي المعهد الملكي للإدارة الترابية، التي تعمل بصدق وتفانٍ وفق المفهوم الجديد للسلطة الذي أرسى أسسه جلالة الملك محمد السادس، وجدت هذه الأطر نفسها تعمل في “جزر معزولة”. إذ لم تجد من يواكب إيقاعها من منتخبين وفاعلين سياسيين قادرين على المرافعة الحقيقية عن ملفات الإقليم الكبرى تحت قبة البرلمان، مما أدى إلى هدر فرص تنموية لم تكن قدراً محتوماً، بل نتيجة طبيعية لغياب السند السياسي المؤهل.
​تنمية في مهب الريح: سياحة مهملة وفلاحة تحتضر
​هذا الشرخ بين كفاءة الإدارة وعجز النخب انعكس وبالاً على كافة القطاعات؛ فسقطت من الأجندات مطالب البنية التحتية والمرافق الحيوية. ولا تزال الساكنة تتساءل بحسرة عن مصير مشاريع كبرى كانت ستشكل قاطرة للتنمية، كالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية (ENSA)، والمدرسة العليا للتكنولوجيا (EST)، ومشاريع التعليم العالي التي يضطر أبناء الإقليم بسبب غيابها إلى الاغتراب المرير.
​أما الهوية السياحية والفلاحية، فقد تُركت لمصيرها؛ ففي حين تفتقر الشواطئ الساحرة كـ “سيدي وارزك” و”تيفراتين” لأبسط المرافق، تلقت الفلاحة ضربة موجعة بسبب “الحشرة القرمزية” التي دمرت اقتصاد الساكنة، دون أن يجد الفلاح الباعمراني صوتاً برلمانياً قوياً يفرض خطة إنقاذ وطنية تعيد له كرامته، بدلاً من الاكتفاء بأسئلة كتابية محتشمة تلامس القشور ولا تعالج عمق الأزمة.
​في حضرة الخطاب الملكي: الصدق قبل المقعد
​إن هذا الركود يعيدنا إلى التشخيص الدقيق والمؤلم الذي قدمه الملك محمد السادس في خطاب العرش لسنة 2017، حين وضع النقاط على الحروف بخصوص نخبة تخلت عن دورها، قائلاً: “إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون”.
​وهو نداء صريح يدين كل من اتخذ السياسة مطية للاغتناء أو الوجاهة على حساب أنين المواطنين. فهل اتقى برلمانيو الإقليم الله في أمانتهم؟ وهل قدموا ما يشفع لهم أمام تاريخ إقليم يزخر بالثروات والرجال لكنه يفتقر لممثلين يملكون “الصدق” قبل “المقعد”؟
​خلاصة القول
​إن إقليم سيدي إفني لا يستحق هذا التمثيل الباهت، والاستمرار في المراهنة على نخب تفتقر للرؤية هو ضياع لحقوق الأجيال. لقد حان الوقت لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ولتدرك الوجوه السياسية أن التمثيلية البرلمانية ليست “نزهة” في العاصمة، بل هي أمانة تاريخية سيسألون عنها أمام شعب لم تعد تنطلي عليه لغة الوعود الكاذبة.

بقلم :عبد الكريم غيلان…كاتب رأي

مقترحة :