لم يعد شجر الأركان مجرد إرث بيئي يمنحنا “الذهب السائل”، بل أضحى اليوم مادة استراتيجية في قلب ثورة البناء الأخضر بالمغرب. فخلال فعاليات المؤتمر الدولي الثامن للأركان بالصويرة (8-10 ماي 2026)، شهد المجتمع العلمي ميلاد ابتكار مغربي بامتياز، حيث قدم باحثون شباب جيلا جديدا من ألواح العزل الحراري والصوتي المصنوعة بالكامل من مخلفات هذه الشجرة. هذا التحول التقني يفتح الباب أمام “الأركان الفلاحي” ليتجاوز حدود المطبخ ومختبرات التجميل، ويقتحم ورشات البناء العصرية كحل إيكولوجي يزاوج بين النجاعة الطاقية وتثمين الموارد المحلية.
هندسة حيوية
تكمن العبقرية في هذا الابتكار في استغلال الخصائص الفيزيائية الفريدة لمخلفات ثمرة “الأفياش”. فقد نجح الباحثون في دمج قشور النواة الصلبة، المعروفة محليا بـ”إيشخمان” بعد طحنها، مع بقايا العجين الناتجة عن عصر الزيت التي تسمى “تزڭموت”. وتعمل “تزڭموت” هنا كمادة رابطة طبيعية بفضل أليافها وكثافتها، مما ينتج ألواحا عازلة تضاهي، بل وتتفوق على المواد الاصطناعية من حيث القدرة على تنظيم درجة الحرارة وامتصاص الضجيج.
ولا تتوقف أهمية هذه الألواح عند كفاءتها في العزل، بل تمتد لتشكل “مخازن كربون” حقيقية؛ فاستخدام هذه المواد في جدران المباني يعني حبس كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون التي امتصتها الأشجار خلال نموها، ومنع عودتها إلى الغلاف الجوي. هذا الارتباط الوثيق بقطاع البناء يمنح مشاريع الأركان الفلاحي قيمة مضافة ترفع من تنافسيتها في سوق الكربون الدولية، حيث يصبح نمو الشجرة ومخلفاتها أصولا مالية قابلة للتداول حتى قبل نضج الثمار.
حلقة متكاملة
يُكرس هذا الابتكار مفهوم الاقتصاد الدائري في أبهى صوره، حيث “لا شيء يضيع” في دورة حياة الأركان. فإلى جانب الاستخدام الصناعي الجديد في البناء، تظل منظومة التثمين التقليدية قائمة وقوية؛ إذ تستمر القشرة الخارجية اللحمية، أو ما يعرف بـ”لڭلوف”، في أداء دورها كعلف طاقي ممتاز للماشية في المناطق الجافة، بينما تُستغل الأجزاء غير المطحونة من “إيشخمان” كوقود حيوي صديق للبيئة يتميز بقدرة حرارية عالية تفوق حطب الغابات.
أما “تزڭموت”، فهي تعيش اليوم عصرها الذهبي بفضل ازدواجية المهام؛ فبينما يوجه جزء منها لصناعة ألواح العزل، يظل الجزء الأرقى منها مطلوبا بشدة في كبرى مختبرات التجميل العالمية كقاعدة لمقشرات البشرة الطبيعية (Gommage) بفضل غناها بمادة “السابونين”. هذا التنوع في منافذ التسويق يضمن للتعاونيات استغلالا شاملا لكل غرام من الثمرة، مما يرفع من المردودية الإجمالية للهكتار الواحد من الأركان الفلاحي.
تمكين واستدامة
إن تحويل “تزڭموت” و”إيشخمان” إلى مواد بناء يمثل ثورة سوسيو-اقتصادية حقيقية للتعاونيات ومجموعات النفع الاقتصادي العاملة في القطاع، فمن المتوقع أن يخلق هذا المسار الصناعي صمام أمان مالي جديدا للفلاحين والنساء القرويات، إذ لم يعد الدخل مرتبطا فقط بإنتاج الزيت الذي قد يتأثر بمواسم الجفاف، بل أصبح لكل جزء من المحصول ثمنه المستقل في سوق مواد البناء المستدامة، مما يضمن تدفقات نقدية مستقرة طوال السنة.
ويعزز هذا التوجه السيادة الاقتصادية للمناطق الواحاتية من خلال خلق فرص شغل محلية مرتبطة بالتحويل الصناعي الأولي لهذه المخلفات. وبدعم من الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، التي تمول رفقة شرائها الباحثين الشباب، يتحول هذا الابتكار من مجرد بحث علمي إلى مشروع مجتمعي يمنح المرأة القروية مكانة محورية في سلسلة القيمة الجديدة.