نعى الفكر الإنساني العالمي المفكر والسوسيولوجي الفرنسي الكبير إدغار موران، الذي ترجل عن صهوة الحياة عن عمر يناهز 104 أعوام. برحيله، تفقد البشرية عقلًا متمردًا على القوالب الجاهزة، وفيلسوفًا آمن بأن العالم أعقد من أن يُختزل في معادلة واحدة، فأنشأ أطروحته الشهيرة حول “الفكر المركب” ليفكك بها طلاسم الزمن الحاضر، ويقيم جسوراً متينة للحوار بين شتى المعارف الإنسانية.
منارة الفكر المركب والشاهد المتمرد
لم يكن موران مجرد باحث يقبع في أبراج عاجية، بل كان سوسيولوجياً متجذراً في قضايا الإنسان. عاش القرن بفضول لا ينطفئ، حاملاً قناعاته كدرع في وجه الاصطفافات الضيقة. حارب في المقاومة الفرنسية، وانتقد الشمولية، وظل مدافعاً شرساً عن “سياسة الإنسانية”. تميز أسلوبه بالعمق والرشاقة في آن واحد، مما جعل أفكاره عابرة للقارات، ومحط تقدير وإجماع عالمي.
عبق الذاكرة: في حضرة موران بالدار البيضاء
لكل منا محطاته التي لا تُنسى مع الكبار، وتظل الذاكرة المغربية، وفي قلبها الدار البيضاء، شاهدة على لحظات تاريخية جمعت النخبة الفكرية بهذا الهرم الإنساني. فمن خلال “حركة ضمير”، التي حظيت بشرفه كعضو بارز، لم يكن موران مجرد اسم مرجعي، بل كان روحاً نابضة بالتوجيه والدعم.
تستحضر الذاكرة بكل فخر واعتزاز تلك التلبية الراقية لدعوة الحركة؛ حيث حلّ موران ضيفاً فوق العادة على العاصمة الاقتصادية للمملكة، يفيض حكمة وتواضعاً، ويشارك في صياغة الوعي المشترك والدفاع عن قيم الحداثة والحرية.
”إن معرفة الإنسان تقتضي دمج كل معارفه، لا فصلها.” — إدغار موران
صباح أبو السلام: رفيقة الدرب والنضال الفكري
لم تكن رحلة موران نحو الشرق ومحبته للمغرب وليدة الصدفة، بل غدّتها وعمّقتها رفيقة دربه وحياته، عالمة الاجتماع الحضري المتميزة صباح أبو السلام.
ابنة مراكش الحمراء (المولودة في 13 أبريل 1959)، نجحت ببراعة في تجسيد هذا الجسر الثقافي بين المغرب وفرنسا. بمسارها الأكاديمي الحافل؛ من أستاذة محاضرة في جامعة “باريس 1 – بانتيون سوربون”، إلى المعهد الوطني للتهيئة والتعمير (INAU) بالمغرب، وصولاً إلى عملها كباحثة وسوسيولوجية في معهد علوم الاتصال التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، شكلت صباح أبو السلام السند الفكري والإنساني لموران. لقد كانت، بحق، الشريكة التي قاسمته شغف تفكيك آليات المجتمع، ومرافِقَتَه الحاضرة في تلك اللقاءات الفكرية الملهمة بالدار البيضاء.
إرث حي لا يموت
رحل إدغار موران جسداً، لكنه ترك خلفه تركة فكرية غنية تتحدى النسيان. غادرنا تاركاً وصية ضمنية بضرورة إبقاء العقول متفتحة، والقلوب شجاعة، والجسور ممدودة. إن تكريم هذا الرجل اليوم ليس مجرد رثاء، بل هو التزام بمواصلة السير على خطاه في نقد الجاهز، والانتصار للإنسان، والحفاظ على ذلك “الضمير” اليقظ الذي كان موران أحد أبرز حماته.
بقلم :عبد الكريم غيلان : كاتب رأي