آراء

​بين حرمة المقابر وحق الزيارة: تفكيك قانوني لقرار جماعة سيدي إفني المثير للجدل

شهدت منصات التواصل الاجتماعي بمدينة سيدي إفني، خلال الأيام القليلة الماضية، موجة عارمة من النقاش والجدل الواسع، عقب صدور قرار فجائي عن رئاسة المجلس الجماعي يقضي بتقييد أوقات زيارة المقبرة الجماعية (مقبرة سيدي علي إفني) وحصرها في بضع ساعات من يوم الجمعة فقط.
​هذا القرار، الذي مسّ وتراً حسّاساً لدى الساكنة لما للمقابر من مكانة روحية وعاطفية في وجداننا، واجهه الكثيرون بنوع من العتاب والامتعاض، معتبرين إياه تضييقاً “مجحفاً” على حق صلة الرحم بالأموات. لكن، بعيداً عن العواطف المشروعة وفي ظل التساؤلات المتزايدة حول شرعية هذه الخطوة: هل يملك رئيس الجماعة حقاً الصلاحية القانونية لاتخاذ مثل هذا القرار؟ وهل استندت هذه الخطوة إلى مساطر تشريعية أم أنها مجرد شطط في استعمال السلطة؟
​في هذا التحليل، نضع بين أيديكم قراءة قانونية وموضوعية مبسطة، تهدف إلى تنوير الرأي العام المحلي وإيقافه على الحقيقة القانونية والخلفيات التدبيرية التي تحكم هذا القرار، مع استعراض السبل التي يتيحها القانون للساكنة من أجل التعبير عن صوتها ومطالبها بشكل حضاري ونظامي.
بناءً على القوانين والتشريعات المنظمة للعمل الجماعي
(لا سيما القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات)، يمكننا تحليل مدى قانونية هذا القرار وصلاحيات رئيس جماعة سيدي إفني في اتخاذه على النحو التالي:
​1. مدى قانونية القرار وصلاحيات الرئيس
​وفقاً للتشريع المغربي، يدخل هذا القرار تماماً ضمن الاختصاصات القانونية الذاتية لرئيس المجلس الجماعي، ولا يعتبر خرقاً للقانون.
● ​الشرعية القانونية: ينص القانون التنظيمي 113.14 (خاصة في المواد المتعلقة بالشرطة الإدارية الجماعية) على أن رئيس المجلس يمارس صلاحيات الشرطة الإدارية في مجالات السكينة العامة، الصحة، والنظافة العمومية.
● ​تدبير المقابر: تنديداً بالفقرات القانونية، يعتبر تنظيم، حراسة، وتدبير المقابر والمرفق العمومي التابع لها من الاختصاصات الذاتية المباشرة للجماعة ولرئيسها.
● ​المرجعية في الإعلان: إذا لاحظنا المستندات المرفقة في أسفل الإعلان، فقد استند الرئيس إلى قرارات عاملية، ومحاضر اجتماعات مشتركة (منها محضر بتاريخ ديسمبر 2025 وقرار غلق مؤرخ في أبريل 2026)، بالإضافة إلى القوانين الجاري بها العمل. هذا يعني أن القرار اتُّخِذَ بتنسيق مع السلطات المحلية (العمالة) وليس بشكل منفرد أو عشوائي.
2 . هل القرار “مجحف”؟ (بين المصلحة العامة وحق الزيارة)
​وصف القرار بـ “المجحف” قد ينبع من الجانب العاطفي والاجتماعي، كون تقييد الزيارة بيوم واحد في الأسبوع (الجمعة) من الساعة 09:00 صباحاً إلى 14:00 زوالاً يُضيّق الخناق على المواطنين. ومع ذلك، من الناحية القانونية والإدارية، يُبرر هذا القرار بـ “المصلحة العامة”:
● ​الحفاظ على حرمة المقابر: غالباً ما تُتخذ هذه القرارات الصارمة للحد من الظواهر السلبية داخل المقابر (كالسرقة، التخريب، ممارسات الشعوذة، أو تجمع المنحرفين).
● ​ضبط الأمن والنظافة: تقييد الأوقات يسمح لعمال الحراسة والنظافة بالقيام بمهامهم بشكل منظم وصيانة المكان.
● ​الاستثناءات: الإعلان أشار بوضوح إلى استثناء الحالات المرخص لها قانونياً (مثل حالات الدفن الطارئة أو الخدمات الإدارية)، مما يعني أن المرفق ليس مغلقاً تماماً أمام الحاجيات الإنسانية المستعجلة.
​3. سبل الطعن أو المراجعة قانونياً
​إذا اعتبرت الساكنة أو المجتمع المدني أن هذا القرار يلحق ضرراً بليغاً بالحقوق الاجتماعية للمواطنين، فإن القانون المغربي يتيح عدة قنوات نظامية للمطالبة بمراجعته:
● ​الملتمسات والعرائض: يمكن لجمعيات المجتمع المدني أو الساكنة (وفق الشروط القانونية) تقديم عريضة للمجلس الجماعي للمطالبة بتعديل توقيت الزيارة (مثلاً إضافة يوم آخر أو تمديد الساعات).
● ​التظلم الإداري: توجيه شكاية أو تظلم إلى رئيس الجماعة نفسه، أو إلى السيد عامل الإقليم (بصفته يمارس المراقبة الإدارية على أعمال الجماعة) لشرح الضرر والمطالبة بمرونة أكبر في التوقيت.
● ​الطعن القضائي: يمكن الطعن في القرارات الإدارية أمام المحكمة الإدارية إذا شابه عيب من عيوب “إساءة استعمال السلطة” أو عدم التناسب بين الغاية والوسيلة، وإن كان إثبات ذلك في تنظيم المقابر يحتاج لدفوعات قوية نظراً لكون التنظيم من صميم صلاحيات الرئيس.

​خلاصة:
​القرار قانوني وسليم من حيث الاختصاص والمساطر بناءً على القوانين والقرارات العاملية المستند إليها، لكنه من الناحية التدبيرية والاجتماعية يظل قابلاً للنقاش والمراجعة عبر القنوات التشاركية مع المجلس الجماعي لإيجاد صيغة توازن بين حفظ الأمن وحق المواطنين في زيارة موتاهم.

بقلم : عبد الكريم غيلان  /كاتب رأي

مقترحة :