الرئيسية 10 المشهد الأول 10 جدتي … موازين وأشياء اخرى

جدتي … موازين وأشياء اخرى

تشكل جدتنا “طامو” مرجعا اساسيا بالنسبة لنا ، نحن جيل “المسيرة الخضراء ” ، والذي ترعرع في بيئة ثقافية تقليدية( بمعناها السوسيولوجي) ، اذ نهل الجميع من تنشئة اجتماعية محافظة ( كما كانت تفهمها جدتي )، وهي تربية مراقبة دائما بالإسلام الشعبي لجدنا “سيدي علي بن حني”.

كانت “طامو” امرأة قروية معروفة بوشومها الجميلة ،غير أنها مكافحة . فهي صانعة تقليدية ، تزور الاسواق الشعبية لبيع منتوجها “الكرارة ” وهي منتوج من الخيط والصوف الاسود ، يصنع على شكل ضفائر خصلات الشعر ، تضعه النساء للزينة ، ما دام طول الشعر كان معيارا للجمال آنذاك تتباهى به النساء في الاعراس والمناسبات . فجدتنا ساهمت بشكل من الاشكال في ظهور الباروكة في المغرب .

اختلاط “طامو” بالرجال في الاسواق ، لم يشكل عقدة ل”سيدي علي بن حني” ، الذي كان حريصا على صلاة الفجر وتربية الخيول ، لكنه في نفس الوقت ، كان حريصا على تنظيف عدة الدخان “السبسي” كمنتوج مغربي اصيل ، ودفه القوي “البندير” . فهو معروف بورعه وتدينه وبكرمه الحاتمي ايضا ، حيث كان البيت الرئيسي لجدنا مفتوحا على الدوام امام الزوار و الاهل، فهو بمثابة ” زاوية” يحج الاصدقاء والعائلة اليها لإرتشاف كؤوس الشاي وتبادل اطراف الحديث في مواضيع شتى ، ويسمى عندنا ” الجموع”.

الغريب أن الذاكرة لا زالت تحتفظ بمنظر اختلاط النساء والرجال في بهو شاسع ، يحتسون فيه كؤوس الشاي ، يترأسهم زائر مميز يسمى “الشريف ” جاء من بلاد بعيدة تسمى زاكورة أو تافلالت في الغالب ، يحترمه الجميع مادام يملك بركة الاولياء والصالحين ، كان للشرفة الدين يزوروننا هيأه مهابة و الغريب انهم كانوا يضعون في أدنهم اقراطا من الفضة ، ينصت الجميع للشريف الذي يوزع الدعوات هنا وهناك، وحين ينتهي ، تستل صديقات جدتي صرتهن (النفحة) او السبسي لتدخين نبتة شبيهة بالكيف (شنذغورة) ، وهو فعل لم اسمع احدا من الرجال يعلق عليه او يصدر حكم قيمة عليه…امثلة بقيت محفورة في ذاكرتنا ونحن لم نتجاوز ست سنوات ، غير ان الكثيرين سيتساءلون : لم هذه القصة القصيرة ؟ وما علاقتها بالعنوان اعلاه ؟

إنها قصة واقعية ، مستوحاة من مغرب السبعينات ، قصة يمكن تعميمها على مناطق شاسعة من مغربنا الحبيب ، شاهدة على ثقافتنا القائمة على التسامح والانفتاح والإقبال على الحياة، كما أنها كانت قائمة على إسلام شعبي منفتح ولصيق بواقع المغاربة كما هو، لا كما يتوهم البعض. فهل ما زال المغاربة كما هم ؟ هل يقبٍلون على الحياة ؟ هل يقبلون في المرحلة المعاصرة باختيار جدتي ؟

من المعروف أن المغاربة تدينوا بإسلام شعبي لذلك “فالإسلام المغربي” يتسم بالاعتدال والوسطية، وهو طرح يزكيه معظم علماء الدين والباحثين في مجال الدراسات الإسلامية والاجتماعية، لأن نمط الاعتقاد المغربي متميز عن باقي الأنماط المتبعة في الأقطار الإسلامية الأخرى. فكيف يمكن إثبات ذلك؟

الدراسة التي انجزها الباحث الامريكي ” ديل ايكلمان ” في هذا المجال، تعتبر من بين الاطروحات الداعمة المهمة المحسوبة على اصابع اليد، لارتقائها الى مستوى معقول من التنظير بناء على البحث التاريخي الرصين، و الرحلة في أعماق أنثروبولوجية المعتقدات الدينية الشعبية، في كتاب ضخم عنونه ب ” الاسلام في المغرب” و هو عبارة عن بحث ميداني حول الزاوية الشرقاوية بابي جعد.

لاحظ ديل ايكلمان، أن للأولياء و الزوايا، تاريخيا و سوسيولوجيا، هيكلا ثقافيا مركزيا متكاملا. يزود الناس بعناصر أو وسائل معينة لقراءة واقعهم الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي، كما يؤطر هذا الهيكل الثقافي المتجدد،  رؤيتهم للعالم و الكون. فهم يتصرفون في حياتهم طبقا لهذه الثقافة، و يؤمنون أن توسط الاولياء/ الاموات فيما بينهم و بين الله جزء من الاسلام، كما يرفضون نعت ممارساتاتهم على أنها خارجة عن الاسلام.

إن الناس يحافظون من خلال نشاطهم و مواقعهم الاجتماعية على المعتقدات و الطقوس التي يحملونها و التي تتكيف و تتعايش مع واقعهم الجديد. وهو تفصيل مذهل و عميق، يكشف عن الدلالات الجديدة و المتغيرة لهذه الحمولة الدينية الشعبية، بعد انتقالها من وضعية اجتماعية تاريخية إلى وضعية أخرى مختلفة عنه .

مظاهر تدين المغاربة حبلى بالتناقضات تميز خصوصية «إسلامية مغربية»، للوقوف عليها يكفي فقط التأمل في سلوكيات أفراد المجتمع المغربي المسلم اليومية، هذه الخصوصية نابعة، من كون «الإسلام المغربي» إسلاما طقوسيا والأدلة على ذلك موجودة على امتداد التاريخ الحديث. كيف ذلك؟

لأن موقع رمضان مثلا داخل ذاكرة المغاربة لا يستقيه من طبيعته كفريضة إسلامية ولكن كطقس ديني واجتماعي، و هذا ما يزكيه الاستاذ نور الدين الزاهي ، حيث يعتبر ان ” نفس الأمر ينطبق على الأعياد الدينية و يمتد إلى يوم الجمعة كيوم مميز داخل باقي أيام الأسبوع، بمعنى أن كل ما يتخذ طابعا طقوسيا جماعيا احتفاليا، يجد صدى عند المغاربة”.

لذلك فنتائج الاستطلاع (الموجهة) والتي تفيد بأن المغاربة من اكثر الشعوب تدينا، تعد مفاجِئة بالنظر إلى التناقضات الكبيرة في سلوكيات «المسلم المغربي» الذي يفضل القيام بفرائض دينية عن أخرى. كما أن الفقيه الزمزمي يؤكد أن التناقض يتضح بالخصوص في إيلاء المغاربة أهمية فائقة للقيام بفريضة الصيام ولا يهتمون بالصلاة، التي هي أوجب وأهم من الصيام، ومصدر هذا الاختلاف في “ترتيب الفرائض لدى المغاربة” أرجعه الداعية إلى إشاعة مسألة العقاب الدنيوي، بين الناس، إلى من لا يقوم بصوم رمضان، عملا بالمقولة الشعبية الشهيرة:      ” رمضان كيخرج فاللي مكيصوموش”. وذهب الزمزمي إلى حد القول بأن المغربي يتوجه إلى القيام بالصلاة حين “يطعن في السن”.

غير أن الطرح الكولونيالي الذي قوّم تطور المعتقدات الاسلامية من الديانة الخاصة الى مسايرة المعتقدات المحلية ، عبر سلسلة من التنازلات و التراجعات للإسلام “الخالص” من جهة .  و من جهة ثانية، مواقف السلفية المغربية التي تحارب الاسلام الشعبي و تعتبره لا يمت بصلة للدين الحنيف. كل ذلك سيغير اسلام بعض المغاربة وخاصة الشباب الدين لم يعاصروا “جدتنا طامو” ، بالإضافة الى اولئك الذين استقطبهم المد الوهابي ” المغري ” .

الوهابية ستقلب المعادلة الدينية في المغرب ، من خلال تركيزها على بعض الطقوس الثقافية الشعبية، ذات الصبغة الدينية عند المغاربة ومن جملتها : الاولياء – الاضرحة – الجنازة – طريقة الصلاة– لحية الرجل- شعر المراة- الاختلاط- الفنون- اللباس . تمدد هذا الامر للاسف إلى المدرسة ، من خلال التركيز على لباس التلميذات ” الزي المدرسي” ، حيث نجد تركيز بعض المدرسين أو أعضاء الادارة التربوية ممن تأثروا بتصور” ضيق” للمرأة ، مختزلين كينونتها في لباسها ، فهم يراقبون عن كثب وزرة التلميذات فقط ، ويغضون الطرف عن وزرة الذكور من التلاميذ ، فتحولت الى ما يشبه “تأشيرة” الدخول الى القسم، علما ان فلسفة الزي المدرسي ، هي توحيد اللباس تذويبا للفروقات الاجتماعية ، بما يضمن للجميع وضعا نفسيا متكافئا.

هذا الامر سينعكس على الأحكام القيمية للشباب المتعلم ، فما بالك بالعوام منهم ، ومن يتتبع مواقف “التوحيد والإصلاح” و بعض الفقهاء السلفيين ، ومن خلالهم المريدين من الشباب خلال السنين الأخيرة، يتبيّن له غلبة الهواجس السياسية والسجالات الإيديولوجية في النقاشات التي تثيرها مواقف هؤلاء في المنابر الإعلامية، والمطبوعة غالبا بالتصورات الدعوية والدينية. وما النقاش حول بعض أفلام السينما أو ضيوف موازين وغيرها ، إلا شجرة تخفي الغابة التي يحطب منها هؤلاء.

ومن أهم الخلاصات التي يمكن استنتاجها ، التأكيد على أن تشابك عوامل ميدانية من قبيل الضغط الديمغرافي وتعليم ديني مُتأزم، والأزمة الاقتصادية، وغياب الحريات، وفشل مشاريع التنمية، وانتشار الفضائيات الدينية السلفية الوهابية، وفورة المواقع الإلكترونية المتشبعة بالمرجعية السلفية الوهابية ، بالإضافة الى أزمة المدرسة لغياب رؤية استراتيجية تحمل مشروع مجتمعي حداثي ديمقراطي ..كل ذلك سيؤدي الى اضعاف جدتنا (التي لازالت تقاوم فينا) ، و ستضيع الهوية فينا، وسيردد مثل هؤلاء : الاستجمام حرام ،والرقص حرام، والتلفاز حرام ، والسينما حرام ، وموازين حرام… والحل هوتطبيق شرع الله ، وبالطريقة التي يفهمون بها معنى الشرع . فإلى متى ستقاوم ” طامو”؟

 

مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *