الرئيسية 10 المشهد الأول 10 في الحاجة إلى الكوبرنيكية … في الحاجة إلى الأنوار

في الحاجة إلى الكوبرنيكية … في الحاجة إلى الأنوار

من الواضح أن النبش في مثل هذا الموضوع لا يخلو من مخاطرة فكرية ، باعتبار الكتابات الكـثيرة التي تـناولته، من زاوية البحث الاكاديمي المتخصص . غير أن راهـنية الموضوع وحاجتنا الدائمة إلى خلخلة الثابت والمطلق؛ في ظل تحولات اجتماعية وثقافية ، ترهن الحاضر بالماضي المقدس، شكلت هذا الهم الـنظري، والمرتبط بأسـئلة محرجة حـول عالمنا العربي والاسلامي، وبشـكل خـاص النسق النـظري الـذي نفكربه، وهي اسئلة يمكن ترجمتها كالتالي:هل لازلنا نفكر بمنظومة ارسطو القائمة على ثنائية العالم ومركزية الارض أم تجاوزنا ذلك واستوعبنا درس الكوبرنيكية ؟ هل نستـطيع اليوم أن نـعلن جـهارا أن العالم ليس ثنائيا (ارسطو) ، كما انه ليس واحدا(جاليلي)؟ كيف إذن ننطر إلى العالم الذي نعيش فيه ؟ بل، كيف ننـظر إلى انفسنا من خلاله؟ هل لازلنا في حـاجة إلى كوبرنيك في ثقافتنا ؟ هل نحتاج الى “عصر” تنوير جديد؟ ما الذي يمنعنا من مواكبة عصرنا بكل إفرازاته؟

“عندما تخذلنا مشاعرنا و حواسنا فعلى عقولنا الاهتمام بالباقي لدفعنا إلـــى الأمام ” كانت هذه المقولة لصاحبها جاليليو جليلي حافزا لبلورة مجموعة من الأفكار الدافعة لكتابة هذا المقال ، ذلك أن الكـثير من تمثلاتنا حـول “الظـواهر”؛ الطبيعية منها والانسـانية ، مطبوعة بكـثير من اللبس والوهم، إذ تـشكلـت في بيئة ثقـافية موسومة بالـثقة العمياء في الحواس. ولا غرابة ، أن نجدها ثقافة حاضنة للوهم والاسطورة والمقدس.

لقد شكلت التمثلات و الأفكار المسبقة على الدوام ، عائقا أمام المعرفة في مجالاتها المختلفة والمتعددة ، فالتمثلات تشير إلى العــملية التي يسـتوعب فيها الـذهن الـمعطيات الخارجية، أي معطيات الواقع الحسي بعد أن يحتك بها الفرد ويضفي عليها مستويات شخصيته المختلفة. يؤدي ذلك إلى أن تتجمع لدى الفرد صورعن تلك المعطيات تشكل حصيلة هذا الاحتكاك، فتكون بالتالي تمثلا لها.

ويعتبر دوركايم من الأوائل الذين استعملوا مفهوم التمثلات الاجتماعية ،حين تحدث عن العصبية القبلية ورفضه لها ، كما ظل يعتبر الدين والمعتقدات واللغة والأسطورة تمثلات جمعية واجتماعية. لذلك شكلت على الدوام عائقا معرفيا ، و يحدد باشلار العائق باعتباره :”تفسير وتأويل مبسط للظواهر التي تفرض نفسها كحقيقة مطلقة تمنع طرح التساؤلات التي بدونها لن تتطور المعرفة”. وإذ نجعل من الثمثلات عائقا معرفيا، فنحن نكـشف ذلك في اللغة المستعملة يوميا كأن نقول مثلا: “شروق الشمس وغروبها” وهذا ينطوي على مغالطة وجب تصحيحها ، إذ وجب التنبيه إلى أننا نقر ضمنيا بدوران الشمس وثبات الأرض في لاوعينا الجمعي، وهذا يجعلنا نفكر بمنظومة ارسطو التي تأسست على فكرة مركزية الارض وثنائية العالم ( عالم ارضي /عالم سماوي) وهما عالمان منفصلان لكل منهما مادته وحركته الخاصة. منظومة تبنتها الكنيسة في العصور الوسطى مادامت منسجمة مع الثقافة الدينية التي تجسد العالم في ثنائية ( الدنيا /الاخرة) ، وتجعل الانسان مكرما مادامت كل الكواكب في خدمته ، وهو الذي يحتل مركز العالم (الارض).

إن هذا التحديد، يكشف البنية الذهنية التي نفكر بها ، داخل بيئة ثقافية تمجد المحسوس ، وهو ما يجعل معارفنا في غالبيتها انطباعات أو تمثلات ، يقتضي الامر؛ الحسم معها عبر تجاوزها ، أو القيام بقطيعة معرفية معها . وهذا يقتضي وجود كوبرنيك جديد في ثقافتنا ، فما الذي استطاع كوبرنيك أن ينجزه؟

لقد أحدث كوبيرنيك(1473-1543) ثورة “علمية ” أصبحت لها دلالة كبيرة ، تقوم على نقض مفهوم النظرية التاريخية القائمة ،وهي نظرية مركزية الأرض، وهي النظرية القائلة بأن الأرض هي مركز الكون – المجموعة الشمسية – وأن كل الكواكب تدور في فلكها، وكانت هذه النظرية قائمة على ملاحظات الإنسان بأن الشمس (شكلياً )هي التي تدور حول الأرض وتبدأ دورتها من الشرق إلى الغرب، وقد أسس لهذه النظرية العالم اليوناني بطليموس.

كوبيرنيك كان أول من عمل في هذه المرحلة التاريخية على نموذج مركزية الشمس في المجموعة الشمسية. وقد أسس نظريته على ما كان معروفاً من حركة الكواكب وبفضل الحسابات الجديدة التي قام بإجرائها ومراقباته الفلكية حيث تأسست نظريته على عنصرين هامين هما: دوران الكواكب في فلك حول الشمس، كما أن الأرض واحدة من هذه الكواكب وتدور حول نفسها. وقد أصبحت هذه النظرية هامة للغاية ؛ ليس فقط ، لأنها أساس لعلم جديد، بل حطمت بعض الأفكار السائدة وبذلك هدمت الثابت والمطلق في هذا المجال.

خوف كوبرنيك من ردة فعل رجال الدين ما داموا لا يقبلون بتدوير الارض ، جعلته ينتظر 36 سنة لنشر كتابه” في دوران الافلاك السماوية”(1543 ) وهو على فراش الموت بمساعدة صديقه اوزيندر .

هكذا ساهم كوبيرنيك في نشأة علم متحرر من الأيدولوجيات والعقائد الدينية أو لنقل ساهم في تحرر العقل من اللاهوت. فأثرت نظرية كوبيرنيك على نظرة الإنسان بالنسبة لوضع الأرض في هذا الكون. وبهذا لم يعد الإنسان ينظر إلى نفسه كمركز الكون كما سوقت له الكنيسة ، وإنما كجزء من هذا الكون. غيرأن ما أعطى لأفكار كوبرنيك قيمة ، هو “تدعيم” منظومته من طرف جاليلي على المستوى الفزيائي (العالم واحد على المستوى المادي) ، والرصد الدقيق لتيكو براهي، وقوانين كبلر الثلاث في الفلك، وغيرها من الانجازات، وهو ما مهد لقيام ثورات عميقة في العقل الاوربي.

 

بناء على ماسبق يمكن الإقرار بأن تحولا مهما قد حصل في أوروبا خلال القرنين 16و17. وهو تحول مهد للانسان دخول عصرالأنوار، فلماذا نحن بحاجة الى الانوار ؟ السنا في حاجة الى التنوير؟

 

تفيد الانوار في “جوهرها “المختزل ، الخروج بالفكر من الوصاية إلى الحرية ،و قد حدد كانط سنة 1784″التنوير” أنه خروج الإنسان من حال وانتقاله إلى حال: أما الحال الأول فهو حال الوصاية أو الحجر، وأما الحال الثاني فهو حال الاستقلال الفكري أو التحرر. فمن شأن التنوير أنه ما به يخرج الإنسان – أو بالأحرى يُخرج نفسه – من وضع التابع لغيره إلى وضع الكائن المستقل المتحرر؛ أي إلى وضع المفكر بتفكير حر لا وصاية عليه ولا حجْر؛ ذلك أن الأصل في الإنسان أن يكون “مفكر نفسه”، وألا يكون الغير مفكرا له بالنيابة. أكثر من هذا، يرى كانط أن من واجب الفرد أن يفكر بنفسه، بل إن هذا الأمر لمن أوجب الواجبات وأوكدها؛ إذ من شأن فعل “التفكير” ألا يقبل التصريف إلا بضمير المتكلم “أنأ فكر”، و لا يوجد تفكير بالنيابة: “الغير يفكر لي”

وعلى العموم، التنوير يلخص حقيقته شعار : “فلتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك”، أو لنقل: “تجرأ على أن تفكر [بنفسك] “. والحال أن هذا الشعار – الذي وجد في رسائل الشاعر اللاتيني هوراسيوس – كان رائجا على عهد كانط كل الرواج، وذلك حتى أنه صار مسكوكا على بعض العملات والميداليات والمنقوشات والمنحوتات، فأخذ كانط روحها وأعملها في توليد معنى جديد اتخذه هو شعارا لعصر التنوير في مجمله: “لتكن لديك الشجاعة على إعمال عقلك”. هذه الشجاعة الفكرية هي ما تنقصنا، أو ما أسماه كانط بالاستعمال العلني للعقل.

وقد كتب كانط منبها ومتنبئا: «لو سأل سائل: هل نحيا اليوم في عصر متنور؟ لكان الجواب: لا، بل في عصر التنوير. ولو قسنا الأمور بالأوضاع الراهنة في مجموعها لقلنا: إن الناس ما يزالون بعيدين عن استخدام عقولهم المستقلة في أمور الدين استخداما صالحا واثقا دون توجيه من غيرهم، وإنهم ليسوا على استعداد لذلك ولا هُيئوا للقيام بهذه المهمة. ومع ذلك يمكن القول بأن هنالك من الدلائل ما يشير إلى أن المجال قد فتح أمامهم للسعي نحو تحقيق هذا الهدف بحريتهم، وأن العقبات التي تقف في وجه التنوير العام أو في وجه الخروج من حالة القصور التي اقترفوها في حق أنفسهم قد بدأت تقل بالتدريج»، وتلك كلمة كانط الأخيرة.

 

وصية كانط ، تجعل مهمتنا الأولية بناء الانسان المتنور، ليصنع أزمنة متنورة. ومن مواصفات “الإنسان المتنور” أنه ذاك الإنسان الذي اهتدى إلى أفكاره بمحض إعماله عقله إعمالا شخصيا حرا، ولا عبرة في هذا الباب بحجم المعارف وكثرتها، وذلك حتى لئن كانت معارف هذا الشخص بصورة واضحة كلها مختصرة مقتضبة؛ إذ سبق لمونتيني أن قال: “أحسن العقول عقل انبنى بإتقان، لا عقل حشي بالمعارف حشوا”. أما “الأزمنة المتنورة” فهي تلك الأزمنة التي يصير فيها الفرد يفكر بلا إكراه أو اعتماد على تقليد أو محاباة تهدف الحفاظ على مكانة أو وظيفة اجتماعية، أو لجوء إلى سلطة يستظل بظلها ، وكل زمان انمحت فيه هذه المعايير وانطمست إلا واعتبر زمن ظلمات وهمجية.

إن روح الانوار ، تركز على موضوعات اساسية ، ونحن في حاجة ماسة إلى تبني الدفاع عن راهنيتها ، ومن أهمها على الاطلاق: الانسان – العقل – الحرية – التسامح.

الانسان: إنسان الأنوار هو ذاك الإنسان الذي تخلى -بلا تحفظ يذكر- عن كل مدد من الغيب، وهو الذي شق طريقه بنفسه وبقدراته الذاتية نحو اكتشاف الحقيقة، وهو الذي آمن في قرارة نفسه أنه ما كان شأن الحقيقة أن توهب إليه وهْبًا، وإنما الشأن فيها أن تنتزع الانتزاع، وذلك بالتعويل على قوى الإنسان وقواه وحدها.

الــعقـل: يتحدد الإنسان في الأنوار – بشكل اولي – بالعقل، ولعل عصر الأنوار هو العصر الذي فاخر بكونه “عصر العقل”، والذي دعا فلاسفته الدعاوى المتكررة إلى “العودة إلى العقل”، و”إعمال العقل”، و”الاحتكام إلى العقل”… بحيث ناضلت فلسفة الأنوار في كل المجالات ضد سلط العادة والتقليد والسلطة. فعصر الأنوار هو العصر الذي تم فيه اكتشاف استقلال العقل وفرضه في كافة مناحي الحياة.

الـحريـة: ليس المقصود بناء مفهوم مجرد عن “الحرية”؛ وإنما بيان فائدتها العملية في حياة المجتمع، وذلك باعتبار أن أمر الحرية أمر عملي، بل إنه للأمر العملي بامتياز. ومن هنا اقترنت مسألة “الحرية” في عصر الأنوار بمسألة “حقوق الإنسان”. إذ ما الذي يعنيه -في آخر المطاف- أن يكون المرء حرا ما لم يعلم ما هي حقوق الإنسان، وأن ينعم بها؟ ، ذلك أن المعرفة بهذه الحقوق، تعني -أولا وقبل كل شيء- الدفاع عنها، وهذا ما نذر فولتير حياته له.

التسامح: ان القول بمبدأ “الحرية” يترتب عنه القول بمبدأ “التسامح”؛ ذلك أن من أهم أشكال الحرية الإنسانية حرية الاعتقاد. وفي السياق كتب جون لوك في مذكراته: ” ليس لأي إنسان السلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة روحه هو؛ وذلك لأن هذه المسألة شأن خاص ولا يعني أي إنسان آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي إنسان، ولا لأي جماعة، ولا يمكن لأي إنسان أن يعطيها إنسانا آخر فوقه إطلاقا “. وقد عمق لوك هذه الفكرة في رسالته عن التسامح .

خلاصة القول أن ثقافتنا في حاجة إلى الانسان المستقل الواثق في قدراته ، المحتكم لعقله في كل أمور حياته ، والذي ينعم بالحرية ويدافع عنها ، المتشبع بقيمة التسامح وبثقافة حقوق الانسان. إنسان مفرط في انسانيته كما قال نيتشه . ذاك هو الانسان الذي ننشده.

 

مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *