في مثل يوم الغد من كل عام، تحل علينا ذكرى رحيلك يا ثريا السقاط، ولا يزال غيابك موجعاً.
في غمرة هذه الذكرى، لا يسعنا إلا أن نستحضر روحك النقية التي كانت ترفرف في سماء الوطن، وتدين بكلماتها الصادقة كل أشكال الظلم والعدوان.
فها هي غزة، كما كانت دائماً، تشهد مجازر وحشية يندى لها الجبين، ويصمت العالم أمامها صمت القبور.
ويبقى الأمل يا ثريا، في انتصار الحق على الباطل، وفي صحوة الضمائر التي غفت طويلاً.
رحمك الله يا ثريا، وأسكنك فسيح جناته.
ولدت ثريا السقاط بفاس سنة 1935، و نشأت في وسط مبدع، إذ كانت شقيقتها فاطمة السقاط من رواد الأدب فضلا عن الملحن الكبير الراحل عبد الرحيم السقاط، لذا كانت لها مساهمة في بناء ادب السجون في زمن يسمى «سنوات الرصاص».
تزوجت من الشاعر محمد الوديع الآسفي، وشارك الزوجان في النضال السياسي ضد الاستعمار، حيث تعرضا للاعتقال والنفي. كما ساهمت ثريا في بناء الوعي السياسي للنساء من خلال تأطير برنامج لمحو الأمية.
عاشت ثريا قصة حب قصيرة مع محمد الوديع، حيث تزوجا بعد أسبوع واحد من التعارف. كانا يشتركان في حب الأدب، حيث كانت ثريا قارئة نهمة، بينما كان زوجها شاعراً.
و في كتابها «مناديل وقضبان» تتحدث ثريا عن أولى نسمات الحب التي هبت عليها: «كان اللقاء الأول بيني وبين زوجي وسط المعاناة، فبمجرد أن تم زواجنا ونحن في سن مبكرة جاء قرار النفي في حق زوجي الذي أبلغ، أثناء غيابي عن المنزل، بقرار الإبعاد بمعية مصطفى بلعربي العلوي ومصطفى بن أحمد. وعند رجوعي إلى المنزل وجدت الأثاث البسيط الذي كنا نتوفر عليه قد ضاع في ظروف مجهولة، استمرت هذه المعاناة فترة طويلة إلى أن تمكنا من الحصول على منزل صغير بسلا استأنفنا فيه حياتنا من جديد».
بعد زواجهما تعرض محمد الوديع للاعتقال بسبب نشاطه السياسي، وحكم عليه بسنتين سجناً. وبعد إطلاق سراحه، انتقل الزوجان إلى مكناس حيث اشتغل الوديع مدرساً، قبل أن يتم نفيه إلى مدينة سلا.
لم تستسلم ثريا للظروف الصعبة، بل عملت على دعم زوجها في نضاله، وساهمت في توعية النساء سياسياً. كما كانت تقوم مقامه في التدريس لتلاميذه في كل مرة كان يتم اعتقاله.
على امتداد عشرة العمر أنجبت ثريا ومحمد أبناء عاش أغلبهم محنة الاعتقال ولو في مخفر شرطة، من قبيل (آسية وأسماء ووفاء وصلاح وخالد وعزيز والعربي وجمال ثم توفيق). كلهم شربوا من ثدي النضال،
استقرا الزوجان بالدار البيضاء، لكنهما لم يتوقفا عن النضال.
وافت المنية ثريا السقاط يوم 19 فبراير عام 1992، أي قبل رحيل زوجها محمد الوديع الآسفي بحوالي 12 سنة تاركة وراءها إرثاً من النضال والصمود.
لكن تخليد اسمها بإطلاقه على أحد المركبات الثقافية يجعلها حاضرة في الذاكرة.
عبد الكريم غيلان/ كاتب رأي
