في هذا الحوار، تقدم المخرجة وكاتبة السيناريو جيهان البحار تحليلها لتطور الأفلام المغربية التي نالت استحسان الجمهور والنقاد على حد سواء.
وترى المخرجة أن عودة الاهتمام بالإنتاجات الوطنية يعكس تطورا في الصناعة في مجملها، ويضع المهنيين أمام تحدي تنويع الأجناس للجمع بين “المتطلبات الفنية والنجاح الجماهيري”.
1. نلاحظ في الآونة الأخيرة، إقبالا حقيقيا للجمهور على الأفلام المغربية التي أضحت تنافس الأفلام الأمريكية في شباك التذاكر. كيف تفسرون هذا الإقبال، وهل يمكننا أن نرى في ذلك مؤشرا على تطور الصناعة السينمائية الوطنية بكل فروعها (الإنتاج، التوزيع، العرض، الترويج)؟
بالتأكيد، إن النجاح الذي تشهده الأفلام المغربية في قاعات السينما يعكس تحولا عميقا للصناعة السينمائية. وهناك عدة عوامل تفسر إقبال الجمهور على الإنتاجات الوطنية. أولا، تحسنت جودة السيناريوهات بشكل لافت. لدينا حاليا قصص تعكس صدى الحياة اليومية للجمهور المغربي، وتحكي عن واقعه وآماله وصراعاته بطريقة أكثر صدقا ويسرا.
ثانيا، نلاحظ تقدما مؤكدا على الصعيد التكنولوجي والتقني، إذ تحسنت بشكل واضح جودة التصوير والمونتاج والمؤثرات البصرية، مما مكن الانتاجات المغربية من بلوغ مستوى غير مسبوق من الاحترافية. وإلى جانب ذلك فقد عزز ظهور ممثلين موهوبين قادرين على استقطاب الجمهور مصداقية أفلامنا.
هذا النجاح يؤكد معطى أساسيا يدل على أن الجمهور المغربي لطالما كان مولعا بالقصص التي تشبه واقعه، فهو يتطلع إلى أن يرى نفسه على الشاشة ويسمع لغته، ويجد مرجعياته الثقافية والعاطفية. ويكمن التحدي اليوم في تثمين هذا الشغف من خلال هيكلة القطاع بشكل أكبر، لا سيما من خلال تعزيز الإنتاج والتوزيع والترويج. لدينا الفرصة لبناء صناعة سينمائية قوية وتنافسية، بيد أن هذا الأمر يتطلب استراتيجية طويلة المدى، وأعتقد أن المركز السينمائي المغربي يقوم بعمل رائع في هذا الصدد.
2. على المستوى الكيفي، هل تمثل هذه الأفلام المغربية التي تحظى بشغف الجمهور، مختلف الأجناس السنمائية (الكوميديا، أفلام الحركة، الميلودراما، وأفلام المؤلفين..)، أم أن هناك هيمنة لفئة معينة من الأفلام “التجارية”؟
أعتقد أنه ينبغي أن نكون حذرين في هذه التصنيفات، كثيرا ما نسمع اليوم أن “الفيلم التجاري” هو الفيلم الذي يجذب جمهور غفيرا، بينما “فيلم المؤلف” هو فيلم نخبوي مخصص للمهرجانات. لقد حان الوقت للتخلي عن هذه الرؤية الثنائية التي تضع السينما الشعبية في مواجهة سينما المؤلف. إن التحدي الحقيقي هو خلق سينما متوازنة، قادرة على الجمع بين المتطلبات الفنية والنجاح الجماهيري.
وبمشاهدة الأفلام التي تحظى بالإقبال في المغرب، نلاحظ هيمنة واضحة لأفلام الكوميديا والدراما الاجتماعية، هذه الأجناس تخاطب المشاهدين مباشرة، بقصص متجذرة في حياتهم اليومية، وغالبا ما تحمل نبرة فكاهية تخفف أحيانا من حدة المواضيع.
ولكن هذا لا يعني أنه ليس هناك مجال لأنواع سينمائية أخرى، إذ نشهد ظهورا خجولا لأفلام تجرؤ على استكشاف الإثارة، والدراما النفسية، أو حتى السينما الملتزمة. ولكن للأسف فإن هذه الإنتاجات مازالت تواجه صعوبات في ما يتعلق بالتوزيع والتلقي من قبل الجمهور.
ومن أكبر التحديات التي تواجه السينما المغربية اليوم هو عدم وجود صناعة سينمائية حقيقية للأفلام النوعية. أين أفلام الأكشن لدينا؟ وأفلام الخيال العلمي؟ وأفلام الرعب؟ هذه الأجناس تحقق نجاحا كبيرا على المستوى العالمي، لكنها شبه غائبة لدينا. إن الأمر لا يتعلق فقط بالإمكانيات، بل كذلك بنضج السوق وتطور أذواق الجمهور.
إذا أردنا صناعة سينمائية قوية فعلينا تشجيع هذا التنوع. ينبغي أن يكون بإمكان الجمهور المغربي مشاهدة أفلام تضحكه، وأخرى تفاجئه، وتثير تساؤلاته، وتنقله إلى عوالم لم يسبق له اكتشفها.
3- إلى أي حد يساهم الفوز بجائزة أو اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان وطني أو دولي كبير في نجاح الفيلم في دور السينما؟
إن الحصول على جائزة أو المشاركة في مهرجان مرموق يحقق، بلا شك، اعترافا نقديا وظهورا قويا. وهذا يعزز من مكانته على الساحة السينمائية، ويسهل تصديره، ويجذب اهتمام وسائل الإعلام والموزعين.
لكن من حيث النجاح في القاعات، فالأمر أكثر تباينا. إذ أن هناك أفلاما حازت على جوائز تعرف إقبالا جماهيريا بفضل سجلها الحافل، في حين أن أفلاما أخرى تجد صعوبة في جذب الجمهور، خاصة إذا كان ي نظر إلى جمالياتها أو سردها على أنه أكثر تطلبا.
هناك عدد من العوامل التي تلعب دورا في ذلك، بما في ذلك موضوع الفيلم واستراتيجية التسويق وتجربة المشاهد.
في البلدان التي تتمتع بثقافة سينمائية أكثر تطورا، يعتبر اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان كبير دفعة حقيقية لمسار الفيلم. أما في المغرب، فمازال أمامنا طريق طويل حتى تجد الأفلام الحائزة على الجوائز مكانها تلقائيا في دور السينما والوصول الى جمهورها.
والأمثل هو أن يتم التقريب بين سينما المؤلف والسينما الشعبية، من خلال إنتاج أعمال تزواج بين الطموح الفني وأن تكون في المتناول. هناك مجال لوجود سينما مغربية متطلبة تخاطب وجدان الجمهور، وهذا هو الاتجاه الذي يتعين علينا استكشافه.
أجرت الحوار: مريم الرقيوق