أبرم الاتحاد الأوروبي أواخر الشهر الماضي اتفاقا تجاريا مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوقف مواجهة جمركية كانت على وشك التصعيد، لكنه فجر في المقابل جدلا واسعا داخل أوروبا حول مستقبل السيادة الاقتصادية للقارة.
الاتفاق، الذي أعلن عنه من منتجع “ترامب ترنبري” في أسكتلندا، ينص على فرض رسوم أميركية بنسبة 15% على صادرات أوروبية محددة، أبرزها السيارات والآلات الدقيقة، مقابل خفض الرسوم الأوروبية على السيارات الأميركية إلى 2.5%. كما يتضمن التزامًا أوروبيًا بزيادة واردات الطاقة من الولايات المتحدة، وتوسيع الاستثمارات الصناعية داخل السوق الأميركية.
ورغم أن هذه الصيغة جنبت أوروبا رسوماً مرتفعة كانت الإدارة الأميركية تهدد برفعها إلى 30 أو 50%، إلا أن منتقدين اعتبروا أن الاتفاق جاء نتيجة ضغوط وإكراه اقتصادي، وليس ثمرة شراكة متكافئة.
انقسامات داخلية ومواقف متباينة
في فرنسا، وصف رئيس الوزراء فرانسوا بايرو يوم التوقيع بأنه “يوم مظلم في تاريخ الاتحاد”، فيما نقل عن الرئيس إيمانويل ماكرون قوله في اجتماع وزاري: “حتى تكون حرًا يجب أن يخشوك.. ونحن لم نكن مخيفين”. أما النائبة الأوروبية فاليري هايير، فاعتبرت أن الصفقة تكشف هشاشة أوروبا أمام التهديدات الخارجية، بينما رأى بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، أن الاتحاد “أصبح رهينة ابتزاز اقتصادي يتكرر مع كل إدارة أميركية جديدة”.
في المقابل، اتخذت ألمانيا موقفا أكثر براغماتية؛ إذ اعتبر المستشار فريدريش ميرتس أن الاتفاق حال دون حرب تجارية مدمرة، واصفا تقليص الرسوم من 27.5% إلى 15% بأنه “انتكاسة مقبولة”، فيما أقر وزير المالية لارس كلينغبايل بضعف الاتفاق، لكنه شدد على ضرورة البناء عليه لتعزيز الموقف الأوروبي مستقبلا.
ابتزاز اقتصادي–أمني وخطر على الصناعة
البروفيسور ريمي بييه، الخبير الاقتصادي الأميركي، أشار إلى أن الانقسامات بين الدول الأعضاء كانت العامل الحاسم في تمرير الاتفاق، لافتًا إلى أن ربط ترامب بين التجارة والالتزامات في إطار حلف الناتو يمثل انتقالًا من الضغط الاقتصادي التقليدي إلى “ابتزاز مركب” يجمع بين الاقتصاد والأمن.
من جانبه، اعتبر الدكتور كميل الساري، الخبير الاقتصادي الفرنسي، أن الاتفاق يمثل “انتكاسة خطيرة للسيادة الأوروبية”، محذرا من انتقال عشرات ألاف الوظائف الصناعية إلى الولايات المتحدة، خاصة في قطاعي السيارات والطيران. كما نبه إلى أن فائض التجارة الألماني الكبير يجعل برلين هدفا دائما للضغوط الأميركية.
البدائل الصعبة والخيارات المحدودة
يرى محللون أن البحث عن شراكات بديلة، خصوصا مع الصين، قد يواجه عقبات بسبب الخلافات التجارية وقضايا الإغراق وفائض الإنتاج، رغم وجود مجالات محتملة للتعاون مثل ملف المناخ. ويعتقد البعض أن الظروف الراهنة قد تدفع ألمانيا مجددًا لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع بكين، ولكن بحذر أكبر.