يقترب حلول الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء التي استرجع من خلالها المغرب الصحراء من الاستعمار الاسباني، والرهان منصب على تسوية سياسية لقضية الصحراء التي عمرت طويلا بعد فشل مخطط تنظيم الاستفتاء، لاستحالة تحديد هوية المصوتين، وهو ما جعل الأمم المتحدة، في مختلف قراراتها، تحث على مباشرة اتصالات حقيقية بين أطراف هذه القضية لايجاد حل واقعي مقبول ومتوافق عليه، خاصة في ظل موقف أمريكي يعترف بمغربية الصحراء، وما تلاه من مساندة قوى غربية أخرى لهذا المقترح، وفي هذا الاطار تعتبر الجهود الدبلوماسية التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سبيل تسوية بعض النزاعات الدولية دافعا مهما لتجاوز حالة الجمود في هذا الملف، ولعل آخر النجاحات الدبلوماسية هي تسوية الصراع بين أرمينيا وأدريبجان حول إقليم “ناكورني كرباخ”، حيث تمكنت الوساطة الأمريكية من تحقيق السلام بين طرفي النزاع، بعدما فرضت الولايات المتحدة نفسها وسيطا رئيسيا لحل النزاع منذ عام 2025، مستفيدة من انشغال روسيا في الحرب على أوكرانيا، وتوجت هذه الجهود بتوقيع اتفاق السلام في واشنطن في 8 أغسطس/غشت 2025، والذي أنهى رسميا حالة الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
هذا الاتفاق بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا ضم بنودا رئيسية، نصت على وقف شامل ودائم للأعمال العدائية، والتزام الطرفين بإنهاء كل أشكال القتال والامتناع عن أي أعمال عسكرية أو استفزازية عبر الحدود، واحترام الحدود والسيادة، واعتراف متبادل بالحدود المعترف بها دوليا، وعدم المطالبة بأراض خارجها.
وفي الشق الاقتصادي، ركز الاتفاق على فتح ممر “زنغزور” الذي سمي بـ “طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي”، وهو ممر بري يربط أذربيجان بإقليم نخجوان الأذري عبر الأراضي الأرمينية.
هذه الجهود الامريكية، والاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، يمكن أن تعزز المبادرات الرامية إلى تسوية سياسية لملف الصحراء المغربية بما يحقق الاندماج المغاربي في إطار حل توافقي بين جميع الأطراف يعزز الروابط الاقتصادية بين الدول المغاربية، خاصة أن المبادرة المغربية الأطلسية، من خلال مشروع الميناء الأطلسي بالداخلة، الهادفة إلى جعل بلدان دول الساحل والصحراء الافريقي تلج للمحيط الأطلسي، وتسهل وصول البضائع الافريقية لأوربا والعالم، وفي هذا الاطار يقول العاهل المغربي في خطاب الذكرى 48 للمسيرة الخضراء : ” فالمغرب مستعد لوضع بنياته التحتية الطرقية والمينائية والسكك الحديدية رهن إشارة هذه الدول الشقيقة إيمانا منه بأن هذه المبادرة ستشكل تحولا جوهريا في اقتصادها وفي المنطقة ككلها”، وبهذا يكون المغرب قد بسط جزء من رؤيته للاندماج الاقتصادي بينه وبين دول الجوار ودول افريقيا جنوب الصحراء من خلال المبادرة الأطلسية المغربية عبر الميناء الأطلسي الداخلة، والذي سيمكن هذه الدول بما فيها الجزائر من ولوج المحيط الأطلسي، خاصة وأن المغرب اقترح ذلك من خلال خطاب الملك في الذكرى التاسعة والأربعون للمسيرة الخضراء حيث قال “… وهناك من يستغل قضية الصجراء، للحصول على منفذ على المحيط الأطلسي.
لهؤلاء نقول: نحن لا نرفض ذلك، والمغرب كما يعرف الجميع، اقترح مبادرة دولية، لتسهيل ولوج دول الساحل للمحيط الأطلسي..”، ومن شأن هذا المقترح تحويل المربع الحدودي المغربي الجزائي المالي الموريتاني إلى مجال للتنمية، يفك عزلة المجالات الحدودية، ويسهل تسويق الثروات الطبيعية للعالم، ويحاصر مخاطر الارهاب في الصحراء والساحل، ويعزز اندماج دول الساحل والصجراء ودول المغرب الكبير، وفي هذا الاطار يمكن أن يكون من عناصر الحل، مبادرة ترامبية لفتح الحدود بين المغرب والجزائر وتكثيف شبكة المواصلات، وإنجاز “طريق التنمية والسلام”، على غرار طريق ترامب بين أرمينيا وأدريبجان، طريق بين المغرب والجزائر، من تندوف إلى الموانئ المغربية بالمحيط الأطلسي، خاصة وأن الصحراء الجزائرية غنية بالموارد المعدنية؛ ومنها الحديد المتواجد “بغار جبيلات” في الجنوب الغربي للجزائر، هذه الطريق قد يكون لها وقع مهم على العلاقات بين البلدين، ويجعل الروابط الاقتصادية الأساس المتين المساعد على تسوية قضية الصحراء في إطار السيادة المغربية، ويعزز ترابط المصالح المغربية الجزائرية والافريقية مع المصالح الأمريكية في إفريقيا والعالم، وبما يضمن استقرار المنطقة، وأوربا، ومضيق جبل طارق كواحد من أهم شرايين الملاحة التجارية بالعالم، خاصة وأن تكلفة استمرار وتطور الصراع يهدد الاستقرار الاقليمي.

كاتب رأي: الدكتور الحسين مرزوقي- مكتب “مشاهد” الجنوب