تَتَسَارعُ الأنباءُ كالرّياحِ الهوجاءِ، تَحْمِلُ معها غُبارًا من الشّكوكِ وتُلقي بِظلالِها على قامةٍ إداريّةٍ باسقةٍ. انتشرَ خبرُ عزلِ السيدِ إسماعيل أبو الحقوق، عامل عمالة إنزكان أيت ملول، على أثيرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، فَشاعَ كالنارِ في حَطَبٍ يَابِسٍ.
ارتبطَ هذا الخبرُ بِقضيّةٍ حسّاسةٍ: تحويلُ قطعةِ أرضٍ كانتْ مُعدّةً لفجرِ العلمِ، إلى مشروعٍ تجاريٍّ يُغَذِّي لهيبَ الرّأسمالِ. هذه الأقاويلُ، التي لمْ تَرْوِ ظَمأَها من نَبعِ الحقيقةِ بَعدُ، أيقظتْ جَدَلًا عاصفًا وألقتْ شِبَاكَها حولَ مسيرةِ رجلٍ عُرفَ بِنقاءِ سِيرتهِ الإداريّةِ وطولِ نَفَسِهِ في خدمةِ الوطنِ.
وفي غمرةِ هذه الزّوبعةِ، حيثُ تتراقصُ الأوهامُ على أنغامِ الشّائعاتِ، تَعْظُمُ الحاجةُ إلى صَوتِ الحكمةِ.
فالمعلوماتُ المتداولةُ لمْ تَنْضُجْ بعدُ على مَوقِدِ التّحقيقِ، ولا يليقُ بِنَا أن نُلقيَ بِحِجَارةِ الاتّهامِ على قامةٍ عامّةٍ قبلَ أنْ تُشرقَ شمسُ الحقيقةِ كاملةً. هناكَ منْ يَهْمِسُ بأنّ يدَ العاملِ نقيةٌ منْ هذا الوَحَلِ، وأنّ هناكَ أيادٍ خفيةً تحاولُ زَجَّهُ في أتونِها عبرَ مُقرّبينَ منه. هذه المزاعمُ، وإنْ كانتْ مجردَ إيحاءاتٍ تُحرّكُها الظُّنونُ، تُوجِبُ علينا التأنّي والصّبرَ، وعدمَ الانجرافِ وراءَ الأحكامِ السريعةِ التي تُشَبِكُ الحقَّ بالباطلِ.
إنّ مَنْ خبرَ جوهرَ إسماعيل أبو الحقوق عن قُربٍ، أدركَ أنّه رجلٌ صُقِلَتْ خبرتُهُ في مَشَاويرِ الإدارةِ التّرابيّةِ، وأنّه يَنتمي إلى أصلٍ عريقٍ يَتَفَتّحُ منْه شَذَا الجدّيّةِ والشّجاعةِ والكرمِ.
لقدْ شهدتْ له محطاتُ مسيرتِهِ بالتّفاني والإخلاصِ في قضاءِ حوائجِ النّاسِ، دونَ تفرقةٍ أو تمييزٍ. فهلْ منَ العدلِ أنْ تُلطّخَ هذه السّيرةُ المِضْمَارِيّةُ بِأخبارٍ لا جذورَ لها؟
إنّ حُرمةَ التّحقيقِ تَسْتَوْجِبُ الاحترامَ، والمُضيُّ في نسجِ الشّائعاتِ وتضخيمِها قدْ يُورِدُ الظُّلْمَ على رجلٍ أفنى عُمْرَهُ في خدمةِ الوطنِ. ومِمّا يزيدُ الوَجَعَ ألمًا هو أنْ تكونَ بعضُ الأيادي التي استمتعتْ بِكرمِهِ وسَخائِهِ قدْ ساهمتْ في تأجيجِ هذه النّارِ، لِتَكُونَ “طعنةُ الأقربينَ أشدَّ مضاضةً على القلبِ”.
ولكنّ صفحاتَ الأيامِ القادمةِ ستُطْوَى على الحقيقةِ، وتَكْشِفُ عنْ وجوهِ الحقِّ، لتَبْقى كالسّراجِ يُبَدِّدُ الظُّلْمَةَ.
في انتظارِ الحقيقةِ، أُعلنُ تضامني اللامشروطَ والمطلقَ معَ العامل إسماعيل أبو الحقوق.
حتى تنجليَ الحقائقُ وتتضحَ، علينا أنْ ندعو إلى التّريثِ في الحكمِ، وأنْ نُعطيَ الفرصةَ للعاملِ ليُبرهنَ على براءتِهِ، وإلى احترامِ مسارِ التّحقيقِ. ففي نهايةِ المطافِ، تَبْقى العدالةُ هي الميزانُ الأخيرُ الذي يجبُ أنْ يَعْلوَ صَوتُهُ.
عبد الكريم غيلان: كاتب رأي