في السابع عشر من شتنبر عام ألفين وثمانية عشر، غادرنا جسدًا، لكنه لم يبرح أرواحنا. فكيف للمرء أن يمحو نقشًا خطته البسمة على شفاه الذاكرة، أو يطوي وشاحًا نسجته روحٌ تحلّق كفراشة بين حدائق القلوب؟ رحل أحمد جيجي، “خالي حماد” كما كان يلقبه المحبون، قامةٌ من قامات الرواية الشفهية والفن الأصيل، ليس كفنان عابر، بل كصانع بهجة، وناحت حكمة، تاركًا خلفه أريجًا ثقافيًا يملأ فضاء أيت باعمران وواد نون.
قيثارة الروح ولسان الحكمة
كان “السي حماد”، رحمة الله تغشاه، خفيف الظل، ثريّ اللسان، رحب القلب. لم يكن مجرد شاعر ينسج الحروف العربية والأمازيغية كعقود اللؤلؤ، بل كان فكاهيًا ينساب المرح من بين ثناياه، ورسامًا مبدعًا يلون الوجوه بفرشاة الابتسامة أينما حلّت خطاه. تكمن عظمته في كونه فنانًا متكاملًا: شاعرًا ينظم “التيات” فترسم لوحات نابضة بتاريخ المنطقة، وفكاهيًا يضيء المجالس بضحكاته، وحكيمًا يستقي العبر من عمق الحياة. لم تكتمل المناسبات الاجتماعية في إقليمي سيدي إفني وكلميم إلا بحضوره البهي، حيث كان يسكب في آذان الحضور قصصًا تتراقص فيها أمجاد التاريخ، وبطولات المقاومة المجيدة، وكل ما يلامس شغاف الذاكرة الجماعية كأنه ينفض الغبار عن كنوز مدفونة.
روح أيت باعمران النابضة
وبحق، كان الفقيد روح أيت باعمران النابضة، وذاكرتها التي لا تشيخ. فكل حكاية رواها، وكل بيت شعر قاله، كان صفحةً حية من سفر تاريخ المنطقة، ينبض بالحياة ويروي للأحفاد قصص الأجداد كتراتيل عتيقة. لم يكن حضوره مقتصرًا على الأماكن الخاصة، بل كان في طليعة الحضور في المناسبات الرسمية، يرفع راية الوطن كشراع يغازل الريح، وبكل جرأة يكسر صمت الخطابات بهتافاته الوطنية الصادحة. وكان هتاف “يحيا الملك” قرينًا له، شهادةً على عشق راسخ لوطنه وملكها، يتردد صداه في كل جنبات الروح.
جسر السلام ونبض الألفة
لم يكن جيجي شاعرًا فحسب، ولا فكاهيًا مبدعًا، ولا رسام ابتسامة. لقد كان مرجعًا لذاكرة قبائل أيت باعمران المجيدة، شاهداً على أحداث نقشت في صفحات خالدة من التاريخ المعاصر لهذه القبائل. كان جيجي بحق صورة راسخة ومثالًا حيًا للتعايش السلمي، والسلام، والمحبة التي تميزت بها هذه القبائل، عربية وأمازيغية، منذ غابر الأزمان. حتى شوارع وأزقة إفني، التي ضجت يومًا بفرجه ومرحه وأشعاره وألحانه النابعة من صميم القلب، تبكي على فراقه كأنها فقدت نبضها.
إرثٌ محفورٌ في الخلود
برحيل “خالي حماد”، فقدت منطقة أيت باعمران وجهة واد نون جزءًا عزيزًا من موروثها الشفهي الحي. لكن صوته سيظل يتردد كصدى في أروقة الذاكرة، وابتسامته ستظل منقوشة في سويداء القلوب، وقصصه ستظل حية تتناقلها الأجيال كشجرة وارفة الظلال، شاهدة على زمن الفن الأصيل والحكمة المتوارثة. رحم الله أحمد جيجي، وأسكنه فسيح جناته، فقد ترك إرثًا لا يفنى، وذكرى عطرة لا يمحوها الزمان.

بقلم: عبد الكريم غيلان /كاتب رأي