في مَعْمعَةِ التَّحولاتِ الدَّوْليَّةِ المُتَسارِعَةِ كَأَسْرابِ الخَيْلِ الهارِبة، يَقِفُ المغربُ على مَفْرَقِ مَسالِكَ دَقِيقٍ، حيثُ تَتَشابَكُ شَظايا التَّحَدِّيَاتِ الاقتِصاديةِ والاجتِماعِيَّةِ المُتَجَذِّرَةِ كَأَوْتادٍ، مَعَ نَعْمَةِ الاستِقرارِ الرَّاسِخِ كالجِبالِ التي ظَلَّتْ لِعُقودٍ تُكَلِّلُ هَامَةَ المَمْلَكَةِ.
إنَّ هَمْساتِ الأحداثِ التي عَزَفَتْ مُؤَخَّرًا على أوتارِ بَعضِ المَدائِنِ، وإنْ بَقِيَتْ مَحدودةَ التَّرْدادِ، تُطْلِقُ أَجراسَ الإنذارِ صَدَّاحةً في أعْماقِ الوِجدانِ الوَطَنيّ، مُستَوجِبةً وَقْفَةَ تَأَمُّلٍ تَخْلَعُ عَنْها ثَوْبَ التَّشَنُّجِ العارِي وَلُغةَ الإنْكارِ المُرَّة. الواجِبُ النَّبِيلُ يَحْتِّمُ عَلَينا أنْ نَعتَرِفَ بِأنَّ أركانًا حَيَوِيَّةً كالصِّحَّةِ، والنُّورِ المُتَوَهِّجِ في قَنادِيلِ التَّعْلِيمِ، وفُرَصِ ارْتِواءِ الأَرْزاقِ (الشُّغل)، تُواجهُ عِلَلاً بِنْيَوِيَّةً ضارِبَةً في عُمْقِ التَّارِيخِ، أعْمَقَ مِن أنْ تَسْبَحَ في بَحْرِ مُقارَبةٍ حُكُومِيَّةٍ عابِرَةٍ أوْ تَضْميدٍ بِحُلُولٍ تَرْقِيعِيَّةٍ كَزَبَدِ البَحْرِ.
صَحِيحٌ أنَّ الإِشارَاتِ الاقتِصادِيَّةَ المَوضُوعِيَّةَ وجُهُودَ النَّمَاءِ الصَّاعِدَةَ، في ظِلِّ الرُّؤيَةِ الوَاضِحَةِ لِعاهِلِ البِلادِ، قَدْ رَسَمَتْ لَوْحةً بِأَلْوانِ التَّحَسُّنِ المَلْمُوسِ، جاعِلَةً المَغْرِبَ رَقْمًا صَعْبًا يَستَوْجِبُ الاحْتِرامَ وقِبْلَةً تَلْتَفِتُ إليها الأطْرَافُ الدَّولِيَّةُ الكُبْرَى، ومُساهِمَةً في اسْتِحْقاقاتٍ تَارِيخِيَّةٍ مِثْلَ احْتِضَانِ كأسِ العَالَمِ 2030، حَيْثُ يَتَجَلَّى الأَمْنُ فِيهِ قاعِدةَ الرُّكْنِ الأَصِيلِ. وَمَعَ ذَلِكَ، تَظَلُّ هَذِهِ التَّتْوِيجَاتُ عُرْضَةً لِاهْتِزازِ الرِّيحِ إذا لَمْ نَتَصَدَّ لِـجُذُورِ الاحْتِقانِ المُسْتَسِرِّ.
هَنا يَنْبَثِقُ جِيلُ “زِد” (Gen Z)، هَذا الجِيلُ الَّذي وُلِدَ وَفِي كَفِّهِ فَنارُ الهاتِفِ الذَّكِيِّ، وارْتِباطُهُ بِـفَضَاءِ التِّقْنِيَةِ الواسِعِ ووَسَائِلِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ لا يَنْفَصِمُ كانْفِصامِ الظِّلِّ عَن صاحِبِهِ. يُواجِهُ هَذا الجِيلُ أَثْقَالَ التَّحَدِّيَاتِ الاقتِصادِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ، في مُقَدَّمَتِها شَبَحُ البَطالةِ وهَاجِسُ الاسْتِقْرارِ القَلِقِ، مِمَّا يَدْفَعُهُ إلى ارْتِيادِ الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ لَيْسَ فَقَطْ لِـنَحْتِ مَطالِبِهِ، بَلْ لِلانْخِراطِ في حَراكٍ اجْتِماعِيٍّ قَدْ تُفاجِئُ إيقاعاتُهُ أَجْيالَنا الَّتِي تَسَلَّقَتْ سُلَّمَ العَمَلِ السِّياسِيِّ التَّقْلِيدِيِّ بِرَوِيَّةٍ.
إنَّ الحِكْمَةَ المُتَوَّجَةَ بِالْمَسؤولِيَّةِ تَقْتَضِي أنْ نُصْغِيَ لِـنَبْضِ هَذا الجِيلِ، وأنْ نَبتَعِدَ عَنْ تَقْزِيمِ تَعابِيرِهِ أوْ الارْتِجَالِ عَلى ظَهْرِهَا لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ ضَيِّقَةٍ. إنَّهُ الهامِشُ الَّذي يَتَمَرَّدُ عَلَى المَأْلُوفِ، لَكِنَّ صَوْتَهُ الرَّنَّانَ يَعْكِسُ شَرْخًا في مَعادَلَةِ التَّوْزِيعِ الاجْتِماعِيِّ وجَوْهَرِ العَدالَةِ المَجالِيَّةِ.
سِياجُ الأَمْنِ: الدِّرْعُ الصَّلْدُ فِي وَجْهِ زَوابِعِ الإِقْلِيمِ
إنَّ المِنْحَةَ السَّمَاوِيَّةَ العُظْمَى الَّتِي يَرْفُلُ فِيهَا المَغْرِبُ هِيَ الأَمْنُ المُتَأَصِّلُ والاستِقْرارُ المُتَجَذِّرُ.
هَذِهِ النَّعْمَةُ، الَّتِي هِيَ بِمَثابَةِ “إِكْلِيلٍ فَوْقَ هَامَةِ المَمْلَكَةِ”، لا يُدْرِكُ قِيمَتَها الحَقِيقِيَّةَ إلاَّ مَنْ تَجَرَّعَ غُصَّةَ فَقْدِهَا؛ مَنْ يُراقِبُ المَشَاهِدَ المَأْسَاوِيَّةَ في جِوَارِنا الإقْلِيمِيِّ والعَرَبِيِّ، حَيْثُ تَنْتَشِرُ الأَسْلِحَةُ كَالنَّارِ فِي الهَشِيمِ وتَتَعَمَّقُ خَنادِقُ الانْقِساماتِ الطَّائِفِيَّةِ والقَبَلِيَّةِ كَمَا حَدَثَ فِي العِراقِ ولِيبيا وسُوريا، وهِيَ دُوَلٌ دَفَعَتْ ثَمَنًا بَاهِظًا لِتَنْفِيذِ أَجَنْداتٍ خَارِجِيَّةٍ مَسْمُومَةٍ تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ عِدَّةٍ، مِنْها “نَظَرِيَّةُ الفَوْضَى الخَلاَّقَةِ” الَّتِي عَمِلَتْ عَلَى تَفْكِيكِ أَوْصالِ دُوَلٍ كُبْرَى إلى دُوَيْلاتٍ صَغِيرَةٍ بِنَاءً عَلَى أُسُسٍ عِرْقِيَّةٍ ومَذْهَبِيَّةٍ.
إنَّ ما يَعتَرِي السَّاحَةَ اليَوْمَ، وإنْ بَدَا عَفْوِيَّ المَوْلِدِ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ إيحاءَاتٍ تُومِئُ إلى وُجُودِ أَيْدٍ خَفِيَّةٍ تُحَرِّكُ خُيُوطَ الدُّمَى فِي سِرادِيبِ الخَفَاءِ لِزَعْزَعَةِ هَذا الاستِقْرارِ، وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ اسْتِغْلالِ ضِيقِ الظُّرُوفِ الاقتِصادِيَّةِ. يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَكُونَ فِي غَايَةِ اليَقَظَةِ كَالنَّسْرِ المُحَلِّقِ؛ فَـتَبَدُّدُ الأَمْنِ يَعْنِي تَبَدُّدَ كُلِّ مَقَوِّماتِ البَقَاءِ، ولَنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِقْرارٌ ولَا نَمَاءٌ ولا ازْدِهارٌ.
جَادَّةُ الخَلاصِ: حِوارٌ يَتَوَشَّحُ بِالعَقْلِ وَحِرْصٌ يَتَسَامَى لِلمَصلَحَةِ العُلْيا
إنَّ فَرْضَ الوَاجِبِ الأَجَلَّ الآنَ هُوَ الإِسْرَاعُ بِـتَشْرِيحِ المَشاكِلِ بِعَقْلانِيَّةِ الحَكِيمِ وهُدُوءِ الرَّاكِدِ، وَفِي إطَارٍ سِلْمِيٍّ راقٍ يُشْرِكُ الكُلَّ، وعَلَى رَأْسِهِمُ النَّاشِئَةُ الصَّاعِدَةُ (الشَّبابُ)، ويَأْخُذُ بِعَيْنِ الاعْتِبارِ المَصْلَحَةَ العُلْيا لِلْوَطَنِ كَقُدْسِ الأَقْدَاسِ. لَا يَجُوزُ لَنا أنْ نَتَغَافَلَ عَنْ وُجُودِ قُوىً تَسْعَى لِتَوْظِيفِ الشَّرْخِ الاجْتِماعِيِّ لِتَحْقِيقِ مَآرِبِ الزَّعْزَعَةِ. لِذا، عَلَى نُخْبَةِ السِّياسَةِ أنْ تَشُقَّ قَنَوَاتِ الإنْصَاتِ الفَعَّالِ وأنْ تَتَخَلَّى عَنْ مَنْطِقِ الإقْصاءِ أوْ بَرْدِ اللامُبالاةِ.
إنَّ صَوْنَ الأَمْنِ فَرِيضَةٌ وَطَنِيَّةٌ تَعْلُو كُلَّ شَيْءٍ، وهُوَ ما يَجِبُ أنْ نَشُدَّ عَلَيْهِ بِالنَّواجِذِ قَبْلَ أنْ يَفُوتَ الأَوَانُ كَأَسْرابِ الطُّيُورِ المُهاجِرَةِ. وهُوَ يُذَكِّرُنا بِما جَاءَ فِي الذِّكْرِ الحَكِيمِ فِي سُورَةِ قُرَيْشٍ، الَّتِي تَسْتَدْعِي وِجْدَانَ أَهْلِ قُرَيْشٍ بِنَعْمَةِ الأَمْنِ مِنَ الخَوْفِ والإطْعامِ مِنَ الجُوعِ، كَـأَعْظَمِ نِعَمٍ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ والعِبادَةَ:
لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱٱلصَّيۡفِ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ
إنَّ هَذا الأَمْنَ هُوَ السَّنَدُ الَّذِي يُرْفَعُ عَلَيْهِ صَرْحُ المُسْتَقْبَلِ. فَهَلْ نُفْلِحُ فِي تَحْوِيلِ تَبَارِيحِ جِيلِ “زِد” إلى فُرَصٍ لِلتَّرْمِيمِ الجِذْرِيِّ، أمْ نَسْمَحُ لِـشَرارَةِ شِرْذِمَةٍ بِعُبُورِ هَذا الفَضاءِ العَامِّ لِـتَجُرَّنَا إلى دَوَّامَةِ العُنْفِ الَّتِي اغْتَالَتْ جِوَارَنا؟
قَلَمِي سَيَبْقَى دَائِمًا مَنارَةً تَخْطُّ بِنُورِها طَرِيقَ البَحْثِ عَنْ إصْلاحٍ مُزْهِر
عبد الكريم غيلان /كاتب رأي