يقف سوق القرب، المتواجد بمدخل مدينة تارودانت، شاهدا على اختلالات تدبيرية ومالية تطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية صرف المال العام، وحدود احترام المساطر القانونية داخل الجماعات الترابية. مشروع أنجز بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، لكنه ظل معطلا دون مبررات مقنعة، فيما تتكشف تباعا معطيات ووثائق رسمية تشير إلى خروقات خطيرة شابت مسار اقتناء العقار وتدبيره منذ البداية.
افتتاح خدمات هذا السوق كان من المفترض أن يخفف من معاناة الباعة المتجولين وينظم الفضاء العام، تحولت إلى قصة غموض قانوني ومالي، بدأت بضمانة نقدية مجهولة المصدر، ولا تنتهي عند عقد كراء مشكوك في قانونيته. وبين صمت الجهات الوصية وتضارب المسؤوليات، يجد الرأي العام المحلي نفسه أمام سؤال جوهري: من يحاسب حين يتحول المشروع الاجتماعي إلى عبء قانوني معلّق
وفي هذا الاطار، أعربت هيئات مدنية بمدينة تارودانت عن استغرابها الشديد من تعثر انطلاق خدمات سوق القرب المثير للجدل، والممول من الميزانية الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وذلك رغم مرور سنوات على إنجازه، خاصة في ظل الجدل الذي رافق مساطر اقتناء العقار المخصص له منذ سنة 2018 من طرف المجلس الجماعي لتارودانت.
وتعود فصول هذه القضية، وفق وثائق رسمية، إلى بداية أنجاز مشروع إحداث سوق نموذجي موجه للباعة المتجولين، حيث كشفت معطيات موثقة عن وجود اختلالات تدبيرية ومالية شابت عملية اقتناء العقار من طرف مسيري الجماعة آنذاك.
وحسب وثيقة صادرة عن نظارة الأوقاف بمدينة تارودانت، فإن المجلس الجماعي، السابق، قام بإيداع ضمانة مالية قدرها 9.660 درهم باسم جماعة تارودانت، وذلك للمشاركة في سمسرة عمومية تتعلق بكراء بقعة أرضية حبسية تابعة لأحباس تارودانت. وقد آلت السمسرة في النهاية إلى الجماعة من أجل استغلال البقعة المذكورة لإقامة مشروع خاص بالباعة المتجولين بمنطقة “المعديات” بالمدينة.
هذا المعطى أثار تساؤلات قانونية ومالية عديدة، من بينها: كيف أمكن للمجلس الجماعي وضع ضمانة مالية نقدا للمشاركة في سمسرة عمومية، في تعارض صريح مع قواعد المحاسبة المالية الجماعية؟ وكيف يفسر القابض الجماعي توفير مبلغ مالي نقدي باسم الجماعة؟ ثم كيف سمحت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لجماعة ترابية بمخالفة القوانين المؤطرة للنظام المالي الجماعي، والتي تخضع لآليات صرف محددة ومنظمة قانونًا؟
ومن جهة أخرى، وبناء على هذه السمسرة العمومية التي شابتها خروقات، خاصة ما يتعلق برصد ضمانة مالية نقدية مجهولة المصدر، أقدمت نائبة رئيس المجلس الجماعي، كما هو وارد في عقد الكراء، على توقيع عقد مع نظارة الأوقاف لكراء البقعة الأرضية الحبسية المخصصة للسوق النموذجي، وذلك بتاريخ 11 يونيو 2017، بسومة كرائية سنوية حُددت في 9.200 درهم، ولمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد.
وفي هذا الإطار، اعتبر أحد المهتمين بالشأن المحلي أن الخروقات التدبيرية التي رافقت انجاز هذا المشروع، ساهمت في تحويل السوق من فرصة للتنمية إلى مشروع متوقف، ونقطة سوداء بمدخل المدينة.