تتشابك في مسارات التاريخ سيرُ الرجال العظام، لتصنع للأمم هويتها وتمنح الشعوب بوصلة تطلعاتها. وفي طليعة هؤلاء الأفذاذ، يسطع اسم الأستاذ المجاهد، المرحوم سي عبد الرحمن اليوسفي، ليس كقائد سياسي عابر، بل كرمز وطني وإنساني استثنائي، تجسدت في شخصيته قيم التضحية، والحكمة، والوفاء الصادق.
وفي مثل هذه الأيام الفاصلة، والذاكرة تستعيد عبق رحيله في أوج جائحة كورونا، غادرنا إلى دار البقاء هذا الجبل الأشم، تاركاً في القلوب غصة غيابه، وفي تاريخ الوطن منارة لا تنطفئ، سائلين العلي القدير لروحه الطاهرة واسع الرحمة وعظيم المغفرة. إن الحديث عن هذا الهرم الشامخ هو في جوهره حديث عن مرحلة تاريخية مفصلية، تلاحمت فيها تطلعات العرش والشعب لبناء مغرب حديث، ديمقراطي، ومتصالح مع تاريخه.
وها نحن اليوم، إذ تحل الذكرى السادسة لترجل فارس الاتحاد، ونستحضر بمهابة لحظة نزوله عن صهوة جواده، نرى الرجل يمضي في كامل طهره وشموخه، نظيف اليد، سليم الطوية، متسامياً عن كل تكسب فكري أو ابتزاز سياسي.
إن إصرار سي عبد الرحمن على الحضور فينا بكل تفاصيل نبله، لهو الكفيل بأن يرتسم كإشارة سماوية لطيفة تلهمنا جميعاً لصون الرسالة الاتحادية وترصينها؛ فالفكرة الاتحادية الأصيلة تراث مملوك لكل المغاربة، وبعثها على وجهها الأوفى هو التأبين الحقيقي غير المطروق، والإحياء غير المسبوق لذكرى رجل خلد الله ذكره في الصالحين.
لقد كان الراحل الكبير، في كل محطات حياته الحافلة، نموذجاً فريداً للمناضل الذي يزاوج بين صلابة المبدأ ومرونة الحكمة. ومن هنا، تأتي هذه الوقفة الإنسانية والفكرية، لا لمجرد استعادة ذكريات مضت، بل لإعادة قراءة قيم التناوب الديمقراطي والتأسيس لمستقبل واعد، مستلهمين من مسيرته العطرة أسمى معاني التسامح ونبل المواقف التي تأبى الابتذال أو التوظيف السطحي في السجالات العابرة.
وتتبدى أولى ملامح هذا النبل في تلك الروابط الوثيقة والعهود المتينة التي جمعت الراحل برجالات الفكر والنضال، وعلى رأسهم رفيق دربه الأستاذ المجاهد محمد بنسعيد أيت إيدر. إنها علاقة لم تكن مجرد زمالة في معترك السياسة، بل كانت تجسيداً لـ “ذاكرة المجد المشترك” وعهد الوفاء لثوابت الأمة.
لقد تشاطر الرجلان آلام المنفى وآمال التحرير، وظلا معاً يمثلان الضمير اليقظ للمجتمع؛ حيث يلتقي الصدق في القول بالشهامة في الفعل، مما جعل من إرثهما المشترك مدرسة حية تنهل منها الأجيال معاني الثبات والالتزام والترفع عن الصغائر.
ولم تقف أبعاد شخصية السي عبد الرحمن عند حدود النضال الوطني، بل امتدت لتشمل بعداً إنسانياً وأخلاقياً يحتم على الجميع اليوم وقفة إجلال تليق به وبذكراه. وفي هذا السياق، ومثلما نكنّ كل التقدير والاحترام لرؤساء الحكومات السابقين لما يمثلونه لمؤسسة رئاسة الحكومة، وعلى رأسهم الأستاذ عبد الإله بنكيران، فإن الأمانة الفكرية واللياقة الأخلاقية تستوجبان التنبيه إلى زلات التعبير التي قد تمس رموزنا؛ كأن يلتجئ رجل دولة سابق في خضم تبريره لبعض القضايا الشخصية والمعاشية السجالية على منصات التواصل الاجتماعي، إلى كشف تفاصيل لقاءات خاصة جمعته بصاحب الجلالة الملك محمد السادس، متناسياً أن للمجالس حرمة لا تنتهك، وأن المقامات الرسمية لها وقارها وحيادها.
إن محاولة الاحتماء برمزية المرحوم عبد الله إبراهيم أو الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي لتبرير مواقف راهنة، تغفل عن المأثور النبيل “اذكروا أمواتكم بالخير”، بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى خطأ فادح يمس حرمة الحياة الخاصة؛ حين يتم إقحام وضعية السيدة الفاضلة “هيلين”، أرملة الراحل اليوسفي، في تصريحات سياسية وإعلامية. إن هذه المرأة العظيمة لم تكن يوماً، وليست الآن، امرأة عامة مستباحة للنقاش العمومي أو الإشارات السياسية، وكان الأولى والأنسب احترام خصوصيتها وعفتها، بدلاً من إقحامها في تبرير انتقادات تروج في الفضاء الرقمي، فالكبار يُقاسون بمدى حمايتهم لخصوصيات الآخرين وترفعهم عن توظيف سير النبلاء.
ولعل أبلغ دليل على هذا الترفع وعمق الوفاء للوطن حتى في الغياب، هو ما تجسد في الوصية الخالدة للراحل؛ حيث توجهت رفيقة دربه السيدة هيلين، يحيط بها ثلة من الأوفياء، لتوثيق رغبته الأخيرة في إهداء بيته بكل ما يضمه من عبق التاريخ، وكتب، ووثائق، ومقتنيات، ليتحول بعد طول عمر لها إلى متحف مفتوح للزوار، ونقل تركته المادية من الأموال المتبقية في حسابه إلى مؤسسة متاحف المغرب. إنها اليد النظيفة ذاتها التي عاش بها، تبرهن في مماته على أن إرث الكبار لا يباع ولا يشترى، بل يوهب للوطن؛ فمرحى له بهذا الخلود الأخلاقي، واللهم جدد عليه رحماتك الواسعة.
وفي سياق البناء الأخلاقي والسياسي الأصيل، تجلى دور الفقيد كمهندس بارز وفاعل أساسي في تجربة التناوب التوافقي. لقد كان قيادته لتلك المرحلة الدقيقة قفزة نوعية في مسار المغرب الحديث، حيث استطاع بحنكته وهدوئه المعهود أن يقود سفينة الحكومة في وقت كانت فيه البلاد بحاجة ماسة إلى الاستقرار والتغيير السلس.
لم تكن تجربة التناوب مجرد تغيير في المواقع، بل كانت إعلاناً عن نضج سياسي ومؤسساتي، أسس لثقافة سياسية جديدة تقوم على التوافق، وتغليب المصلحة العليا للوطن، وفتح آفاق واعدة نحو المستقبل
إن هذا المسار الحافل بالبذل، والذي حظي برعاية ملكية سامية وتقدير شعبي جارف، يضعنا اليوم أمام مسؤولية كبرى؛ وهي ألا نجعل من ذكرى الأستاذ اليوسفي مجرد بكاء على الأطلال، بل حافزاً لمواصلة العطاء، وصيانة الأخلاقيات السياسية من أي خدش. إن الوفاء الحقيقي لروحه الطاهرة يكمن في استلهام قيم الترفع والوقار، ومواصلة البناء الديمقراطي، والعمل بجد من أجل مغرب الكرامة والعدالة الاجتماعية.
سيبقى سي عبد الرحمن اليوسفي حياً في ذاكرة الوطن، شاهداً على زمن النبل، ومثالاً يحتذى في العفة، والاستقامة، والجهاد الصادق من أجل رفعة هذا الوطن وعزة أبنائه. تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.


بقلم :عبد الكريم غيلان كاتب رأي
