عادت جائزة أفضل لاعب في المباراة لتثير جدلا واسعا في بطولة كأس العالم 2026 بعد عدم منح الجائزة إلى النجم المغربي الواعد أيوب بوعدي ،وحارس مرمى المنتخب السعودي محمد العويس عقب تألقهما أمام البرازيل وأوروغواي ،وهو الجدل الذي يتكرر منذ نسخة قطر 2022، ما دفع العديد من المتابعين وعشاق الساحرة المستديرة عبر العالم للتساؤل عن من يختار الفائز بالجائزة؟ وكيف يتم اتخاذ القرار؟
وفي مباراة المغرب والبرازيل ،والتي انتهت بالتعادل بهدف لمثله، حصل البرازيلي فينيسيوس جونيور على الجائزة بعد تسجيله هدف منتخبه ،وهو ما فاجأ أغلب المتابعين و المحللين في وسائل الاعلام العالمية لعدم حصول المغربي بوعدي عليها رغم الأداء المميز والاستثنائي الذي بصم عليه خلال هذه القمة الكروية .
من جهته ، حصل العويس على تقييم 7.6 من موقع “صوفا سكور”المتخصص في الإحصاءات بعدما تألق وتصدى لعدة كرات من لاعبي أوروغواي، لكن الجائزة عادت في الأخير الى نجم ريال مدريد فيديريكو فالفيردي رغم حصوله على تقييم 6.4.
فبدء من كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” تصويت الجماهير لاختيار أفضل لاعب في المباراة عبر موقعه الإلكتروني، وفي 2014 أتاح للمشجعين التصويت أيضا من خلال حساباته في تويتر مع بداية الشوط الثاني من كل مباراة، حيث كان يمكن النقر على صورة اللاعب المختار وتسجيل التصويت عبر الوسم #ManoftheMatch.واستمر التصويت للأفضل في مونديال روسيا 2018 عبر منصات الفيفا الرقمية سواء عن طريق الموقع الرسمي وتطبيق FifaApp وتويتر.
و الواقع، أن أهمية هذا الجدل تنامت بالنظر لآلية منح الجائزة الفريدة. فخلافا للاعتقاد السائد، لا تمنح جائزة “أفضل لاعب في المباراة” بناء على آراء الخبراء التقنيين أو اللاعبين السابقين فقط. فمنذ مونديال 2010 ،أتاح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) التصويت للجمهور عبر منصته الرسمية، حيث يختار المشجعون، من بين عدة مرشحين، اللاعب الذي يرونه الأفضل في المباراة.
ورسميا، تهدف الجائزة إلى مكافأة اللاعب الذي كان له التأثير الأكبر على مجريات اللعب. إلا أن هذه الطريقة، عملي ا، ت دخل حتما عوامل تتجاوز الأداء الرياضي كالشعبية، والتغطية الإعلامية، وتأثير جماهير اللاعبين، والشهرة العالمية.
و يتربط الجدل في الحالة الأولى بمباراة المغرب والبرازيل، حيث بصم أسود الاطلس على أداء قوي أمام أحد عمالقة كرة القدم العالمية. أبهر أيوب بوعدي الجميع ببراعته في خط الوسط. ففي سن الثامنة عشرة فقط، سيطر الفتى الواعد على إيقاع المباراة، وفاز بالعديد من الالتحامات، ومكن المنتخب المغربي من منافسة نظيره البرازيلي تقنيا و تكتيكيا.ومع ذلك، ذهبت الجائزة إلى فينيسيوس جونيور، الذي سجل هدف التعادل للبرازيل .
يبدو المنطق وراء هذا الاختيار واضحا : فالهداف الحاسم يجذب الأنظار بطبيعته. لكن هذا القرار ي جسد أيضا اتجاها متكررا. فغالبا ما يكون للأفعال الظاهرة تأثير أكبر من التأثير الكلي على مجريات المباراة. ففي الذاكرة الجماعية، يترك الهدف الرائع انطباعا أقوى من تسعين دقيقة من السيطرة التكتيكية. وهكذا تثير حالة بوعدي النقاش القديم الجديد : هل ي مكن أن يكون المرء أفضل لاعب في الملعب دون أن ي كافأ؟
بعد أيام قليلة، عادت مباراة السعودية وأوروغواي لإشعال هذا الجدل .فقد تسلم فيديريكو فالفيردي الجائزة بعد التعادل بين الفريقين. لا أحد ينكر الأداء المميز الذي قدمه لاعب الوسط الأوروغواياني. لكن بالنسبة للعديد من المراقبين والمحللين الرياضيين، كان اللاعب الذي غير مجرى المباراة في مكان آخر.
فقد قام محمد العويس بتدخلات حاسمة عديدة للحفاظ على النتيجة. ولولا تصدياته، لكانت السعودية على الأرجح قد خرجت من الملعب خالية الوفاض. في بطولة ي حكم فيها على حراس المرمى غالبا بناء على خطأ واحد، ونادرا ما يكافؤون على أدائهم الشامل.
تسلط هاتان الحالتان الضوء على ما يصفه المحللون الرياضيون بال”تحيز الهيكلي.” فغالبا ما تبدو جائزة أفضل لاعب في المباراة وكأنها ت منح للاعبين الأكثر بروزا و في مقدمتهم الهدافون ، وصانعو اللعب، أو النجوم العالميين. أما حراس المرمى والمدافعون ولاعبو خط الوسط الدفاعي، فيتعين عليهم عموما تقديم أداء استثنائي لنيل التقدير نفسه.
وهكذا ،تجسد حالتا بوعدي والعويس وجهين لاشكالية واحدة. ربما وقع الأول ضحية للافتتان باللحظة الحاسمة، بينما وقع الثاني ضحية للصعوبة المستمرة في إدراك دور حراس المرمى بشكل كامل. في كلتا الحالتين، لا يقتصر الجدل على مجرد جائزة رمزية، بل يكشف عن مفاهيم متضاربة لكرة القدم: فهل ينبغي أن ت منح الجائزة للاعب الذي يخلد الصورة الأبرز في المباراة، أم للاعب الذي يؤثر بشكل حاسم على نتيجتها؟