الرئيسية 10 المشهد الأول 10 القيادة السياسية ولعبة الشطرنج

القيادة السياسية ولعبة الشطرنج

“أنعي لكم ، يا أصدقائي ، اللغة القديمة والكتب القديمة ..انعي لكم ، كلامنا المثقوب ، كالأحذية القديمة، ومفردات العهر ، والهجا، والشتيمة ، انعي لكم …نهاية الفكر الذي قاد الى الهزيمة ” ، أبيات من قصيدة هوامش على دفاتر النكسة للشاعر نزار قباني ، تلخص الحالة التي وصلت إليها حالة الانسان في العالم العربي عامة ، والمغرب على وجه الخصوص . حالة وصفها قباني في التناقض بين ذهنية تفكيرنا و الواقع الحضاري الذي نعيشه ” لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية” ، كيف لا ونحن لم نجرب كسر الأبواب وغسل الأفكار والأثواب، كيف لا ونحن لم نجرب قراءة كتاب ، كيف لا والناس تهرول لسماع” قفشات” الخطابة ، من أشباه سياسيين و أشباه” متفقهين ” دعويين ، كيف لا ونحن لم نعثر بعد على مثقفين ، لهم شجاعة فرج فودة و مهدي عامل وقاسم امين… كيف لا ونحن لم ننجب بعد من يعوض شهداء الوطن من النقابيين و السياسيين ، يقودون الناس إلى مشروع تنويري يعتمد العقل والعلم والمنطق ، بتوجيه وتصويب من مثقفين ، يفترض فيهم أن يكونوا عضويين، فماهي الأسباب التي جعلت وطننا عاقر إلى هذه الدرجة ؟ هل وصلنا إلى مرحلة “سن اليأس”؟

إن عملية الإخصاب في مغربنا الحبيب لا تتم بشكل طبيعي ، وهو ما نتج عنه كائنات هجينة، تقتات في المستنقعات ومجاري المياه و غيرها ، من بين أهم صفاتها ” البلادة ” وصعوبة الاندماج في المحيط ومتغيراته، كما تتميز بالعدوانية ، فهي سليطة اللسان ، طويلة الدقن ، غليظة الوجه ، ولجبهتها شكل دائري مميز ، والغريب في بلادي أنها تدبر الشأن العام وتؤثر في الجماهير وبشكل خاص ، العوام منهم ، بل وتستطيع تهييجهم ، وتحويلهم إلى مجانيين ، فماهي أسباب وجود مثل هذه الكائنات ؟ هل بالإمكان تطوير ذكائها وسرعة اندماجها ؟

مما لاشك فيه أن الاسباب الأساسية التي تحكمت في عملية الإخصاب الفكري ، في ثقافتنا ، عبر تاريخه الطويل ، هي علاقة السلطة بالثقافة والمثقفين ، وهي علاقة اتسمت دائما بنوع من الحيطة والحذر ، بالرغم من قرب المثقف من دوائر السلطة في بعض المراحل التاريخية ، اذ يكون مهددا بانقلاب السلطة عليه، والحجج التاريخية كثيرة في هذا المجال (الترجمة في العصر العباسي –  ابن رشد في عهد الموحدين- الشعراء في عهد الامويين- مسكويه في الدولة البويهية…). غير أن المثقفين لم يواجهوا فقط أنظمة حكم استبدادية ، بل واجهوا ذهنية متكلسة تقوم على التحريم و التجريم ، والأدهى من ذلك واجهوا جمهورا يتمنع استخدام العقل للتفكير.

ففي المغرب مثلا، ضربت السلطة الحاكمة بعد الإستقلال بشدة على أيدى النخبة السياسية،  التي نضجت في كفاحها المرير ضد الاستعمار من أجل تحرير الأرض وصيانة العرض السياسي و الاقتصادي الذى استباحه المحتلون.   وكان لضربات هذه السلطات المتتابعة أثر بالغ فى القضاء تدريجياً على النخب المعارضة، أو تلك التي لم ترض بحكومات ما بعد الاستقلال .فتوالت الضربات اتجاه المثقفين وخاصة السياسيين منهم، باختطافهم، و سجنهم ، بمنع كتبهم ومحاصرة فكرهم، أو نفيهم ووصل الأمر إلى تكفيرهم وقتلهم في العالم العربي ك(فودة –مهدي عامل –عمر بنجلون….. ) ،غير أن هذا الحصار أو القتل استمر رمزيا ، فلم نعد نسمع بمثقف عضوي يؤثر في الجماهير .

هكذا تسلل العوام الى مجال التأطير و التوجيه والتسييروالتدبير، هذا التسلل لم يكن قراراً خالصاً للعوام، بل إنه في كثير من الأحيان كان تدبيراً من قبل النخبة الشمولية الحاكمة، التي أرادت أن تقطع الطريق أمام النخب البديلة ، فلا يكون بإمكانها التواصل مع الجماهير، وتعبئتها حول برامج وأطروحات مغايرة لتلك التي تتبناها الحكومات المخزنية.

ومن المعلوم ان الجماهير تحركها العواطف والمشاعر والانفعالات ، لا سيما في المسائل المتعلقة بما يشكل لديها طابو، أو مقدس لا يمكن المساس به ، فيزداد الأمر تعقيدا بالنسبة للمثقفين ، حين يقف خلف الغليان الجماهيري ، بعض المتعصبين من رجال الدين او أشباههم ( في المغرب: ابو النعيم – الفيزازي – الريسوني …) او حينما يقف خلفهم “قائد” سياسي من نوعية الكائنات الهجينة التي حددنا مواصفاتها سابقا .

فبعد أن وأدت السلطة أغلب الوسائط السياسية الحقيقية من مؤسسات حزبية ونقابية ورموز سياسيين أو اجتماعيين، اتسعت الهوة بين النخب المثقفة والجماهير العريضة، و لم يبقَ أمام الجماهير من طريق سوى التعامل مع كائنات بليدة ، وكأنها عقاب إلهي مسلط عليهم.

هكذا اصبحت الجماهير معزولة تؤطرها كائنات غير مسؤولة ، و هي مجنونة بطبيعتها ، فالجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها المفضل أو لفريق كرة القدم التي تؤيده تعيش لحظات من الهلوسة والجنون ، كما أنها قد تهتاج أو تهجم على شخص لكي تذبحه دون أن تفكر في هذا العمل الهمجي ، لأنها بكل بساطة موعودة بالفردوس المفقود، فهي في حالة تخدير دائمة. فإذا ما أحبت الجماهير دينا ما أو رجلا ما، تبعته حتى الموت كما يفعل اليهود مع نبيهم و المسيحيون المتعصبون وراء رهبانهم والمسلمون وراء شيوخهم . لكن الجماهير اليوم تستطيع أن تحرق ما كانت قد عبدته بالأمس و تغير أفكارها كما تغير قمصانها شريطة وجود قيادة لها من الذكاء ما يحقق ذلك . فهل بالإمكان تأهيل القيادة ورفع غشاوة البلادة عنها ؟

اهتم علماء النفس والاجتماع مطلع القرن العشرين بتحليل ظاهرة القيادة وذلك للتعرف على أهم السمات التي ينبغي توافرها في كل فرد يتحمل مسؤولية القيادة ، ومن أهمها : السمات الفيزيقية البيولوجية، كبشاشة الوجه ورشاقة القوام والحيوية والنشاط وامتلاك ناصية القيادة ، بالإضافة الى الذكاء والمرونة و اللباقة ( الشهيد ياسر عرفات مثلا) . وهي سمات لا تنطبق  وحالة (الكائنات الهجينة)، والحل الذي يقترحه العلماء لتأهيل هكذا قيادة، هو تشجيعها على ممارسة بعض أنواع اللعب ، خاصة لعبة الذكاء كالشطرنج . وقد يبدو الأمر غريبا بالنسبة لمن لا يعرفون عن الشطرنج شيئا ، إذ كيف للعب أن يساهم في تدبير الشأن العام وما علاقته بالسياسة ؟

اننا مضطرون إلى توضيح أوجه العلاقة بين فن تدبير الصراع داخل رقعة الشطرنج و تدبير الصراع في المجال السياسي . ولا غرابة ان نجد لهذا الموضوع   امتدادا في الفلسفة السياسية ، اذ ظهر مصطلح فلسفة اللعب في كتابات كانط و شيلر وذلك خلال حديثهما عن علم الجمال، فاللعب عند كانط قناة واصلة بين التصورات الذهنية والخيال من جهة، والحاسة الجمالية والذوقية للفن من جهة أخرى، بينما نظر شيلر إلى اللعب باعتباره نشاط جامع بين الجهد الذهني والمهارة الحركية والميل الفردي للمتعة والتسلية، وارتقى بذلك المفهوم وربطه بالحس الجمالي والإبداع الفني.

وقد تطور مصطلح فلسفة اللعب في كتابات الأنثروبولوجيين الاجتماعيين وفلاسفة اللغة، فجعله الفريق الأول أداة للتعرف على ثقافات الشعوب وميولهم وطبائعهم والأطر العامة لتفكيرهم، في حين اتخذ اللغويون من اللعب سبيلا لتحديد العلاقة بين المعنى والدلالة في الخطابات النصية والحوارات الشفهية، فالكلمات والألفاظ تكتسب معانيها ودلالاتها تبعا  لقواعد اللغة المتعارف عليها عند الكاتب والقارئ من جهة، والمتحدث والمتلقي والمحاور من جهة أخرى. فلا غرابة إذن أن يتهجم بعض القادة من الكائنات الهجينة ، ومن يدور في فلكهم على الفن والجمال والموسيقى ، فهم لم يلعبوا في صغرهم، أو لنقل ببساطة لا يلعبون الشطرنج، فهؤلاء لا يجيدون من الألعاب سوى (المصارعة الرومانية، وعسكر وحرامية، والكلمات المتقاطعة، والسلم والثعبان، والطاولة…) و يفضلون لعبة الشيش على رمي الجلة ، فهل يستفيد “قادتنا” من تعلم الشطرنج ؟ هل تستطيع هذه اللعبة تلطيف وقاحتهم؟

ان فوائد لعبة الشطرنج كثيرة ، فمميزات هذه اللعبة اللطيفة أنها اللعبة الوحيدة تقريبا التي تجمع في ممارستها بين الصمت والتفكّير الهادئ وخلق مناخ التوازن الفكري ، وبين عمل العقل واشتغال الحسابات الإنسانية والتفكير بمنطق الانسان الأخر. فمميزات لعبة الشطرنج أنها من اللعب الصامتة والطالبة للهدوء واسترخاء الصوت تماما ، كما أنها من اللعب التي تعطى الانسان قدرة تعلم الصبر لفترات تطول أو تقصر للوصول الى الهدف الاساسي وهو التغلب على الخصم (كش مات) ، بعكس باقي اللعب البشرية ( لعب الكبار بالذات ) فإنها بالإضافة الى قيامها على الضجيج وافتعال الاصوات المزعجة ، فهي كذلك محفزة لغرائز الإنسان الهياجية والعصابية التي تدخله في حالة الهستريا العضوية وربما المشاجرات السخيفة على الحظ والقدر.

وللشطرنج ابطاله ، لعل اشهرهم على الاطلاق غاري كاسباروف الذي تربع على عرش الشطرنج لمدة خمس عشرة سنة والذي جرب اللعب في ميدان السياسة ونافس على الرئاسة الروسية ، وقد صرح للصحافة قائلا:” هدفنا هو ازاحة هذا النظام الذي يغطي البلاد بالعار..سنخرج من مستنقع الفساد والاكاذيب هذا، ونستريح”. غيران المواقف السياسية في المغرب تتبدل كتبدل القطع على رقعة الشطرنج بسبب الصراعات السياسية الهامشية، علما ان القطع في رقعة الشطرنج تحكمها قواعد وضوابط طيلة المقابلة ، في حين ان الاشخاص في المجال السياسي ، يبدلون ألوانهم ومواقعهم ، دون انضباط للقواعد.

فإذا أحببتم الشطرنج يجب أن تعلموا أن الحصان هو حل العقد فهو لا يرتبط بلون الرقعة، و لا يسعى لأن يصل لنهاية الرقعة في حركتين ، كقدرة الفيل -إذا ما اتيحت له- و الذي قد يموت ليصبح وزيراً أحياناً، كما أن حركته دائما ما تكون عجيبة و قادرة علي التخطي بالنسبة لفيل مغلق الفكر -أياً كان الفكر بلون أرضيته-، فدائماً ما يوصم الحصان بالميوعة و قلة الحيلة ، لكن لا يعلم الكثيرون أنه الوحيد القادر على حل المشاكل و إظهار الحلول المعتدلة والواقعية.

مشاركة الموضوع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *