آراء

سيدي إفني: ترنيمةٌ في محرابِ الأمسِ وصدىً في جوفِ الغدِ، صمت الخشبة ووشوشة الذكرى

يا لَمَرسومِ القَدَرِ الأبديّ الذي غَشَى الأنوارَ عن مَسْرَحٍ طالما كانَ مِرآةً تُجَلّي أسرارَ الروحِ، ولسانًا يَفُكُّ عُقَدَ الحقِّ، ومَشْتلاً يَتَطَلَّعُ منهُ فجرُ مُجتمعٍ يَنشُدُ شمسَ التحررِ وروضَ الازدهارِ. سيدي إفني، أيتها المدينةُ التي نُقِشَ اسمها على سفرِ المسرحِ بمدادِ الذهبِ وضيّ الإلهامِ، غدوتِ فارسةً تُحلّقُ بجناحَيها فوقَ رياضِ الإبداعِ المتراميةِ، وتوقدُ قناديلَ الوعيِ في غياهبِ النضالِ. كم كانت دارُ الشبابِ فيكِ مأوىً لأفئدةٍ غضّةٍ، ومنبتًا لطاقاتٍ متّقدةٍ، تسربلتْ حللَ الفنّ والرياضةِ، وتمايلتْ على خشباتِ المسرحِ، حيثُ انبثقتْ نجومٌ لامعةٌ في سماءِ الإبداعِ.
لكنَّ آهةَ الأسى تعلو اليومَ! فزمانُ الترميمِ قد طالَ مداهُ، وصمتٌ مطبقٌ يُلجمُ ألسنةَ قاعاتها، بل إنّ همساتِ الريحِ تحملُ أنينًا بأنَّ فسيحَها قد انكمشَ، وصارَ كذرّةٍ في فضاءِ الذاكرةِ. أمّا المركبُ الثقافيُّ، فيقفُ شامخًا كصرحٍ مهجورٍ، تتأملهُ الأعينُ جدرانًا صمّاءَ لا تنطقُ بوهجِ الأنشطةِ ولا حياةِ الإبداعِ.

وكأنّنا في سيدي إفني نُسلّمُ مقاديرَ أرواحِنا لانتظارِ “أوبرا” افتتاحٍ قد لا تُعزفُ أوتارُها أبدًا! لقد توارتْ تلكَ الريادةُ خلفَ ستارِ النسيانِ الثقيلِ، وأصبحتْ محضَ ذكرىً آسرةٍ تئنُّ في زوايا الظلامِ، كصدىً لخَطْوَةٍ لم تعدْ تُسمعُ.
تتسربُ التساؤلاتُ كَهَمْسِ الرِّيحِ العاتيةِ في جوفِ الليلِ البهيمِ: هلْ خَبَا وهجُ الشغفِ الذي كانَ يُضرمُ جذوةَ العطاءِ؟ أمْ أنَّ دروبَ الدعمِ تلاشتْ تحتَ ركامِ الإهمالِ العظيمِ؟ هلْ جفَّتْ ينابيعُ الإبداعِ التي كانتْ تَروي أزهارَ الفكرِ؟ أمْ أنَّ أذرعَ الرعايةِ لمْ تَعُدْ تمتدُّ لتُعانقَ بذورَ المواهبِ الغضَّةِ؟ إنها لَصَرْخَةٌ مُدوِّيةٌ تَعبرُ الآفاقَ، تستنهضُ الهممَ الراكدةَ من سُباتها العميقِ: كيفَ السبيلُ لإعادةِ الروحِ إلى جسدِ المسرحِ الذي أثقَلَتْهُ سنينُ الصمتِ في سيدي إفني؟
إنها لدعوةٌ حارقةٌ لِتَشْييدِ صروحٍ جديدةٍ، لا منْ صَلابةِ الطوبِ والحجرِ فحسبُ، بلْ منْ وهجِ الإرادةِ وصلابةِ العزيمةِ. دعوةٌ لترسيخِ دعائمِ فرقٍ مسرحيةٍ تتوهجُ بشعلةِ الفنِّ الأزليِّ، وتَخلقُ منْ العدمِ وُجودًا، ومنْ الصمتِ صَخبًا يملأُ الفضاءَ. فهل يعودُ الإلهامُ ليسكبَ نورَهُ على قناديلِ الفنّ، وتتوهّجَ شعلةُ الوعيِ في هذا الثغرِ الساحليِّ؟ وهل تفيقُ المدينةُ من سباتها لتُعيدَ رسمَ لوحتِها الزاهيةِ في سجلِّ الخلودِ؟ هلْ سيُشرقُ فجرٌ جديدٌ على مسارحِ سيدي إفني، لتعودَ حكاياتُها الفنيةُ تتراقصُ على ألسنةِ الأجيالِ، وتُضيءُ دروبَ المستقبلِ بنورٍ لا ينضبُ؟


عبد الكريم غيلان:
كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *