في رحاب التوهج الثقافي والإعلامي للمغرب، يرتفع اسم إدريس مبارك كقنطرة من نور، شُيّدَت بمداد الإبداع الوارف والإصرار الصُّلب، ليغدو أيقونة تتلألأ في سماء الإعلام والثقافة، لا في سوس الآخذة بأطراف التاريخ فحسب، بل على امتداد خارطة الوطن. إن سيرة مبارك، الذي أشرقت شمس ميلاده في الناظور عام 1968، هي نسيج أصيل حاكته جذور الشمال بشموخ الجنوب، فهو سليل أب حمل بندقية التحرير من قبيلة دوبلال بـطاطا، وأمٌّ من سلالة آيت باعمران العريقة بـإصبويا. هذا التمازج الأصيل غرس فيه منذ الوهلة الأولى حسًا وطنيًا يلامس شغاف القلب، وميلادًا ثقافيًا متعدد الأبعاد، كالبحر الذي يلتقي فيه المدّ والجزر.
أنشودة الصوت والقلم: انبلاج نجم صحفي
لم تقتصر إسهامات مبارك على حدود العمل الإداري أو الأطر التنظيمية؛ بل كانت روحه تتوق إلى فضاءات أرحب، حيث تفتحت موهبته كـزهرة اللوتس في واجهات العمل الجمعوي، ليصبح فاعلًا نشطًا في دار الشباب الشهداء خلال ثمانينات القرن الماضي. ومن ثم، انساب نحو عالم الأثير الساحر، حيث تألق نجمه كـقنديل مضيء بين أحسن المذيعين بـإذاعة أكادير في تسعينات الزمن. لقد وهبه الخالق صوتًا رخيمًا ينساب كـتيار الحرير، يمنح المستمع إحساسًا فريدًا بالسكينة الآسرة، يرافقه قلم سيّال كـنبع الفكر المتدفق، وملكة كتابية صقلته ليغدو من خيرة فرسان الصحافة. هذا الاقتران البديع بين همس الصوت وعمق الكلمة شاد صرح مهنيته المتفردة.
”مشاهد” وميلاد مهرجان يلامس شغاف القلب
لم يرتضِ إدريس مبارك البقاء أسيرًا لحدود الأثير، بل كانت له بصمته الراسخة التي حُفرت في سجل الصحافة المكتوبة؛ فكان المهندس الذي أطلق شرارة أول جريدة جهوية تحمل اسم “مشاهد”، والتي تجاوزت بانتشارها حدود الجهة، لتُحلّق بأجنحتها فوق التراب الوطني. لكن الإنجاز الذي يتلألأ كالجوهرة الثمينة في عقد مسيرته، هو تأسيسه للمهرجان الدولي للسينما والهجرة بأكادير.
هذا الصرح السينمائي، الذي يوشك اليوم أن يعقد دورته الحادية والعشرين، لم يكن مجرد احتفاء بـسحر الفن السابع؛ بل تحول إلى منارة تشع بالحكمة والجمال، وتُعدّ من أهم التظاهرات السينمائية على الصعيدين الوطني والدولي. يكمن فرده في قدرته على أن يُزاوج بين جسد الفن وروح القضية الإنسانية الأزليّة الشائكة: قضية الهجرة.
الهجرة في محراب السينما: منبر للحس الإنساني
في زمن تتصاعد فيه وتيرة الهجرة كـموجة عارمة بفعل رياح الحروب والنزاعات، لتصبح قضية عربية/إفريقية بامتياز، ينهض دور المهرجان لـيواكب بـعين فاحصة الإنتاج السينمائي النوعي، ويهدي منصة حية لأحلام الشباب العربي وأوجاعهم، للتعبير عن رحلة الهجرات وآثارها العميقة على الفرد والجماعة، من خلال بساط من الأفلام الروائية والوثائقية المتنوعة في رؤاها وعبق حكاياتها.
لقد استطاع المهرجان الدولي للسينما والهجرة بأكادير أن ينحت لنفسه مكانة مرموقة على خارطة المهرجانات الكبرى، ليس بوصفه مجرد ملتقى فني، بل كمنصة للوعي تُسلط الأضواء الكاشفة على القضايا الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها المهاجرون في أصقاع العالم. إنه إرث ثقافي وإنساني خالد تركه إدريس مبارك، ليؤكد أن ريادة الإعلام والثقافة لا تُقاس بالشهرة العابرة التي تتلاشى كـأضواء المساء، بل بـالأثر الباقي الذي يلامس أعماق الوجدان ويسخّر ذاته لخدمة القضايا الكبرى للإنسانية.
بقلم : عبد الكريم غيلان :كاتب رأي