اقتصاد

هل يرسم قانون مالية 2026 معالم نظام ضريبي أكثر عدلا ونجاعة؟

منتهجا مقاربة تتساوق فيها العدالة والنجاعة، يسعى مشروع قانون المالية لسنة 2026 إلى إعادة رسم معالم نظام ضريبي أكثر شمولا واستهدافا، وقائم على منطق التوازن بين التوسيع دون إثقال، والتحصيل دون خنق، والتحديث دون فقدان الاستقرار.

ويبدو أن المملكة، بعد مرور أربع سنوات على صدور القانون الإطار رقم 69-19، تدخل مرحلة النضج في إصلاحها الضريبي. ويعد مشروع قانون المالية لسنة 2026 أداة تزاوج بين العدالة الاجتماعية والتنافسية الاقتصادية والشفافية الميزانياتية، وهي الأعمدة الثلاثة لميثاق جديد من الثقة بين الدولة والمقاولة والمواطن.

منعطف في مسار الإصلاح الضريبي المغربي

يواصل المغرب، من خلال مشروع قانون المالية، السير بخطى ثابتة ومدروسة نحو نظام ضريبي أكثر عدلا وملاءمة لنموذجه التنموي. ويقوم هذا التوجه على ركائز أساسية تشمل توسيع الوعاء الضريبي، ومكافحة الغش، ودعم العالم القروي، وتبسيط المساطر الإدارية.

وقال الخبير المحاسب والمدقق المالي والرئيس المدير العام المؤسس لشركة “أورو ديفي أوديت”، عبد العزيز عرجي إن “مشروع قانون المالية لسنة 2026 يروم في الآن ذاته البناء على الصعيد الاقتصادي والتضامن على الصعيد الاجتماعي”.

وأوضح أن هذا النص يندرج في إطار استمرارية الإصلاح الشامل الذي انطلق سنة 2021، ويطمح إلى تشجيع الاستثمار المنتج، وتوسيع الوعاء الضريبي مع تخفيف الضغط تدريجيا، وترسيخ مبدأ حياد الضريبة على القيمة المضافة وعدالة النظام، وملاءمة الجباية الوطنية مع المعايير الدولية، وإدماج القطاع غير المهيكل ومحاربة التهرب. ويتعلق الأمر بتعزيز الشفافية وقابلية التوقع داخل النظام الضريبي لجعله أكثر وضوحا وعدلا وفعالية.

وأشار عرجي إلى أن عدة إجراءات أساسية تسير في هذا الاتجاه، من بينها توسيع نطاق الاقتطاع من المنبع ليشمل الخدمات المفوترة من طرف البنوك وشركات التأمين والمقاولات الكبرى التي يتجاوز أو يساوي رقم معاملاتها 50 مليون درهم، بهدف تعزيز تتبع العمليات المالية والحد من الغش.

كما أضاف أن اقتطاعا خاصا بنسبة 5 في المائة سيفرض على الإيجارات المهنية لمحاربة التهرب الضريبي العقاري، مع اتخاذ إجراءات قطاعية مثل إعفاء الأسمدة والمستلزمات الفلاحية من الضريبة على القيمة المضافة، لتوحيد النظام الجبائي في القطاع الفلاحي وتقليص التكاليف الإضافية على الفلاحين.

وسجل أن “هذه التدابير مجتمعة تظهر توجها نحو زيادة الموارد العمومية دون رفع نسب الضرائب التقليدية، من خلال توسيع قاعدة المداخيل الخاضعة للضريبة (الخدمات البنكية، الإيجارات) وتعزيز مكافحة الغش، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي”.

كما ترافق هذه التدابير استمرارية المساهمة الاجتماعية للتضامن إلى غاية سنة 2028، في إشارة إلى الرغبة في مواصلة الجهد التضامني دون المساس بتنافسية المقاولات.

إصلاح قائم على الاتساق والشفافية

يرى عرجي أن الموازنة بين الاتساق والشفافية تقع في صميم النقاش الضريبي، موضحا أن الهدف يتمثل في تعبئة موارد كافية لتمويل الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية دون التأثير سلبا على قدرة المقاولات على النمو والاستثمار.

وأضاف أن المبدأ يقوم على توزيع الجهد على القادرين عليه، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأشار عرجي إلى أن إصلاح الضريبة على القيمة المضافة يمثل مثالا جيدا على ذلك، إذ إن توسيع الإعفاءات لتشمل السلع الأساسية يساهم في الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، في حين تضمن تبسيط نسب الضريبة وتعميم الحق في حياد النظام بالنسبة للمقاولات.

وختم بالقول “يمكن التوفيق بين التنافسية والعدالة من خلال نظام متدرج، حيث تستفيد المقاولات التي تخلق فرص الشغل والقيمة المضافة من تسهيلات وإعفاءات، في حين يتحمل ذوو الدخل المرتفع أو أصحاب الأنشطة غير المصرح بها جهدا ضريبيا أكبر”.

القانون الإطار 69.19 : مسار إيجابي

بعد مرور أربع سنوات على دخول القانون الإطار 69.19 حيز التنفيذ، بدأ المغرب يجني أولى ثمار الإصلاح الجبائي الشامل. فتحقق تقدم ملحوظ في إصلاح الضريبة على القيمة المضافة من خلال تقليص معدلها، وتعميم الحق في استرجاعها، وتحسين مبدأ الحياد الضريبي.

وحسب عرجي فإن “الحصيلة تظهر انطلاقة منظمة للإصلاحات، ومسارا في الاتجاه الصحيح. ورغم أن جميع الأوراش لم تستكمل بعد، فإن مشروع قانون المالية لسنة 2026 يندرج بوضوح في هذه الدينامية”.

وأضاف أن الإجراءات المعلنة ستعزز المكتسبات وترسخ التقدم المحرز، مبرزا أن هذا المشروع لا يقطع مع إصلاح سنة 2021، بل يوسع نطاقه ويكمله.

وذكر عرجي بأن القانون الإطار 69.19 وضع المبادئ الكبرى للإصلاح الجبائي، (بناء نظام ضريبي فعال وعادل ومتوازن). وتشمل هذه المحاوره الكبرى، تشجيع الاستثمار المنتج، وتقليص الفوارق، وتعزيز الحياد الضريبي، لاسيما في مجال الضريبة على القيمة المضافة.

وأوضح الخبير المحاسب أنه “منذ سنة 2022 نشهد ورشا واسعا لإصلاح نظام الضريبة على القيمة المضافة، يتمثل في تقليص النسب، وتعميم الحق في الاسترجاع، وتوسيع نطاق التطبيق، وكل ذلك من أجل تحقيق الحياد الجبائي”.

الرياضة.. مجال ضريبي جديد

يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2026 مستجدا ذا طابع رمزي، يتمثل في إرساء إطار ضريبي خاص بالشركات الرياضية.

فبعد أن ظلت الرياضة الاحترافية لفترة طويلة تصنف ما بين مهمة اجتماعية ونشاط والاقتصادي، ستستفيد الآن من إعفاء كلي من الضريبة على الشركات خلال السنوات الخمس الأولى، ومن إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة حتى سنة 2030، شريطة احترام مقتضيات القانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة. ويهدف هذا الإجراء إلى تشجيع هيكلة القطاع وتعزيز الشفافية المالية.

كما ينص مشروع قانون مالية 2026 على توسيع نطاق الإعفاء من الضريبة على الأرباح الناتجة عن عمليات تحويل الأصول والخصوم من الجمعيات الرياضية إلى الشركات الرياضية، ليشمل العمليات المنجزة بالقيمة الحقيقية. على أن الشركة المستفيدة تدرج في نتائجها الجبائية الربح المحقق في حالة بيع تلك الأصول، على أساس قيمتها الأصلية قبل عملية التحويل.

أما في ما يتعلق بالضريبة على الدخل، فيقترح المشروع تطبيق تخفيض تدريجي على الدخل الصافي الخاضع للضريبة بالنسبة للرياضيين المحترفين والمؤطرين والمدربين والأطقم التقنية، بنسبة 90 بالمائة في 2026، و80 بالمائة في 2027، و70 بالمائة في 2028، و60 بالمائة في 2029.

ويهدف هذا الإجراء إلى مواكبة احتراف القطاع الرياضي، وضمان جاذبيته للمستثمرين، وتحقيق المساواة في المعاملة بين جميع الفاعلين.

وبخصوص الضريبة على القيمة المضافة، يقترح مشروع قانون المالية تمديد الإعفاء الممنوح للشركات الرياضية (دون حق في الخصم) من 1 يناير 2026 إلى 31 دجنبر 2030.

ويشكل مشروع قانون مالية 2026 مرحلة حاسمة نحو نظام ضريبي أكثر ذكاء وشفافية وعدالة، قادر على أن يكون أداة للتنمية المشتركة، حيث تتكامل الفعالية والإنصاف.

بقلم: كوثر شاعط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *