آراء

إرادة العرش والشعب: انتفاضة آيت باعمران.. سِفر لا يمحوه الزمن

نقف اليوم، وقد امتلأت النفوس إجلالاً والقلوب خشوعاً، لا أمام ذكرى عابرة، بل في رحاب سِفر من نور كُتب بمداد الدم والتضحية، على أرض سيدي إفني الأبية. إنها وقفة لتأمل محطة مفصلية ومنعطف وضاء من أسفار تاريخنا الوطني المشرق؛ محطة الذكرى الغالية لانتفاضة قبائل آيت باعمران المجيدة، التي فجّرت شرارة العز في الثالث والعشرين من نوفمبر سنة 1957.
​هذا الحدث، الذي يُستحضر اليوم بحضور وازن يتقدمه السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ليس مجرد تاريخ يُعاد سرده، بل هو ملحمة خالدة تُجسد إرادة أمة حرة، وتؤكد بعمق الارتباط الأبدي والوثيق بين العرش والشعب، اللذين وقفا في خندق واحد للدفاع عن المقدسات الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، من طنجة إلى الكويرة. لقد كانت هذه الهبّة تعبيراً صادقاً ومُدوياً عن الرفض المطلق للوجود الأجنبي، وشاهداً حياً ومُتجدداً على مغربية هذه الأرض في أدق المراحل التاريخية.
​دلالات العزيمة وعمقها في سجل الكفاح الوطني
​جاءت انتفاضة آيت باعمران لتكون فصلاً إضافياً مهماً في مسيرة التحرير والاستقلال، ولتُترجم الالتحام المنقطع النظير بين القبائل وقواعد جيش التحرير. كان الهدف الأسمى لهذه الحركة هو استكمال الوحدة الترابية التي لم تكتمل بانسحاب المستعمر من مناطق معينة، مؤكدة أن روح المقاومة لم تكن يوماً مجزأة أو مقصورة على بقعة دون أخرى.
لقد قدم الأجداد من أبناء آيت باعمران في هذه المعركة دروساً في الوطنية الصادقة والشجاعة الفذة. فواجهوا قوة المستعمر المجهزة بأحدث العتاد، بالإيمان الراسخ والعزيمة الصلبة التي لا تعرف التراجع. لقد أجبرت قوة إرادتهم القوات الغازية على التقهقر إلى مركز سيدي إفني المحاصر، ليثبتوا للعالم أن قوة الإرادة والتصميم الشعبي تتجاوز وتفوق بكثير عتاد الحرب الحديثة. هذه الملحمة البطولية لم تكن حدثاً معزولاً أو محلياً، بل كانت جزءاً أصيلاً وعضوياً من النضال الوطني الشامل الذي قاده بتبصر وحكمة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وتُوِّجت هذه الجهود لاحقاً بتحرير سيدي إفني وعودتها الكاملة والمستحقة إلى حظيرة الوطن الأم.
​الوفاء لأرامل الشهداء: مسؤولية وطنية لا تنتهي
​إن أصدق تعبير عن الوفاء لذاكرة هؤلاء الأبطال، لا يقتصر على استحضار أمجادهم في المناسبات، بل يمتد ليكون رعاية دائمة وموصولة لمن خَلَّفوهم. يجب أن تكون هذه الذكرى محفزاً عملياً لتجديد العهد بالاهتمام المتواصل بأرامل الشهداء وأبنائهم الأوفياء، الذين يحملون دماء التضحية في عروقهم.
​إن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تقتضي منا جميعاً:
​ضمان دمجهم الفعلي: إدماجهم في الأوراش التنموية والمشاريع المجتمعية الجارية، ليكونوا شركاء في بناء المستقبل كما كان آباؤهم شركاء في صناعة الماضي.
​الحرص على العناية الشاملة بهم: توفير كافة أشكال الدعم الاجتماعي والصحي اللازم لضمان عيش كريم يليق بعظمة تضحيات آبائهم.
​مواكبة الأبناء تعليمياً: تقديم المنح والمساعدات الضرورية لمواكبة أبناء الشهداء في مسيرتهم الدراسية، إيماناً بأن العلم هو سبيل الارتقاء والتفوق وضمان المكانة اللائقة بهم في المجتمع.
​هذا الدعم هو الوسيلة المثلى لتمكينهم من تبوء مكانتهم المستحقة، مكانة تليق بحجم التضحية الغالية التي قُدمت في سبيل عزة وشموخ هذا الوطن.
نقل الرسالة إلى الجيل الصاعد
​إن واجبنا اليوم، وهو واجب مقدس، هو أن نكون ناقلين أمناء لهذه الذاكرة الخالدة وهذه القيم النبيلة إلى الأجيال الصاعدة. يجب أن تظل سيرة الآباء والأجداد منارة تُضيء لهم دروب البناء والتنمية، ليدركوا بعمق أن الحرية والوحدة لم تُنَل إلا بجهاد مرير وتضحيات جسام لا تُقدر بثمن.
​إن جيل اليوم مدعوٌّ إلى مواصلة الجهاد الأكبر؛ جهاد التنمية الشاملة والتقدم الاجتماعي، صوناً للمكتسبات وإعلاءً لشأن الوطن في كل المحافل، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، الذي يواصل بثبات مسيرة التحرير عبر أوراش الإصلاح والتنمية.
​خاتمة العهد والولاء
​في ختام هذه الوقفة المهيبة، لا يسعنا إلا أن نرفع أصدق معاني الإجلال والخشوع إلى أرواح الشهداء الأبرار الذين سقطوا فداءً للعزة والكرامة. إنهم نجوم خالدة في سماء الوطن، وما تضحياتهم إلا الينبوع الذي ارتوى منه غرس الحرية، وظل سراجاً يُضيء دروب الجيل الصاعد. فلنجعل من سيرة المقاومين الأشاوس وأعضاء جيش التحرير منهجاً للحياة، وعهداً متجدداً بالوفاء والوطنية.
​نرفع تحية إجلال وإكبار لأرواح الشهداء الأبرار، وتحية عرفان ووفاء للمقاومين الأشاوس وأعضاء جيش التحرير، وكل أسرة المقاومة التي تظل رمزاً للتضحية والوطنية.
​عاش المغرب موحداً، عزيزاً، قوياً، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس.

بقلم \ عبد الكريم غيلان : كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *