في قلب التحولات الترابية التي يعرفها المغرب، تبرز أكادير كحالة دالة على مفارقة تنموية عميقة: مدينة تمتلك كل مقومات الإقلاع الاقتصادي، لكنها لا تزال عاجزة عن تحقيق التحول البنيوي الذي يؤهلها لتكون قطباً حقيقياً ضمن هندسة التوازن المجالي الوطني.
ليست أكادير مجرد مدينة ساحلية ذات جاذبية سياحية، بل هي نقطة تقاطع استراتيجي داخل جهة سوس ماسة، تختزن رصيداً متنوعاً من المؤهلات: واجهة بحرية نشيطة، قاعدة فلاحية تصديرية رائدة، بنية سياحية متطورة، وموقع جغرافي يجعلها بوابة طبيعية نحو العمق الإفريقي. ومع ذلك، ظل هذا الرصيد، إلى حد كبير، دون استثمار فعلي يرقى إلى مستوى الطموح.
لقد راهنت السياسات العمومية، منذ عقود، على جعل أكادير قطباً موازناً للثقل الاقتصادي الذي تمثله الدار البيضاء، غير أن هذا الرهان لم يتحقق بالشكل المنشود. فبدل أن تتحول المدينة إلى مركز إنتاجي متكامل، ظلت رهينة نمط تنموي غير مكتمل، تغلب عليه المشاريع التجميلية والبنيات التحتية غير المصحوبة برؤية اقتصادية مندمجة.
إن الإشكال لا يكمن في غياب الموارد، بل في محدودية القدرة على تحويلها إلى دينامية إنتاجية مستدامة. فميناء أكادير، رغم حيويته، لم يُستثمر بعد كرافعة للصناعة البحرية واللوجستيك المتقدم. والقطاع الفلاحي، رغم قوته التصديرية، لا يزال يعاني من ضعف في سلاسل القيمة والتحويل الصناعي. أما السياحة، فرغم تعافيها النسبي، فهي لم تنجح بعد في الانتقال إلى نموذج مستدام قائم على التنويع والابتكار.
في عمق هذا التعثر، تبرز أزمة الحكامة الترابية كعامل حاسم. إذ تعكس طريقة تدبير الشأن المحلي والجهوي محدودية في الرؤية الاستراتيجية، وعجزاً عن التنسيق بين مختلف الفاعلين، فضلاً عن هيمنة منطق التدبير الظرفي على حساب التخطيط بعيد المدى. وهو ما يفرغ العديد من البرامج التنموية من محتواها، ويحولها إلى مجرد أوراش معزولة بلا أثر هيكلي.
وفي هذا السياق، تكتسي المشاريع المرتبطة بالأمن المائي أهمية خاصة، خصوصاً في ظل التحديات المناخية المتزايدة. ويبرز هنا دور الشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، التي تشرف على تدبير خدمات حيوية، في مقدمتها الماء، حيث يشكل مشروع تحلية مياه البحر رهاناً استراتيجياً لضمان استدامة الموارد المائية ودعم الدينامية الاقتصادية للجهة. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى إدماجه ضمن رؤية تنموية شاملة، تتجاوز منطق التدبير التقني نحو أفق تنموي متكامل.
إن أكادير اليوم أمام لحظة حاسمة: إما أن تواصل الدوران في حلقة الإمكانات غير المستغلة، أو أن تنخرط في مسار تحولي جريء يعيد تعريف موقعها داخل الخريطة الاقتصادية الوطنية والقارية. ولن يتحقق ذلك إلا عبر إعادة بناء النخب الترابية على أسس الكفاءة والجرأة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتبني نموذج تنموي قائم على الإنتاجية والابتكار.
فالرهان لم يعد فقط في ماذا نملك، بل في كيف ندبر ما نملك. وبين الإمكان والإنجاز، تختبر أكادير اليوم قدرتها على التحول من مدينة واعدة إلى قوة ترابية فاعلة لا تقبل التأجيل.
حسن كرياط