آراء | متابعات

​من هو بنزكري..الذي حوّل “سنوات الرصاص” إلى جلسات للمصالحة..وكيف واجه آلام الماضي ليصنع المستقبل؟

​في مثل هذا الوقت من عام 2007، ترجّل عن صهوة النضال فارسٌ من نبلائه الأوفياء، وارتقت إلى بارئها روحٌ جُبلت على التضحية وحب الوطن والدفاع عن كرامة الإنسان؛ إنه الرفيق العزيز والرمز الوطني الفذ إدريس بنزكري. ذلك المناضل الشهم الذي غادرنا بجسده في أوج العطاء، لكنه استوى في الوجدان المغربي المعاصر منارةً فكرية وحقوقية لا تنطفئ جذوتها، وشاهدًا حيًّا واستثنائيًّا على مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ المغرب الحديث. إن استحضار سيرة هذا الرجل ليس مجرد طقس من طقوس التأبين العابرة، بل هو وقفة تأملية ضرورية لفهم كيف يمكن للإرادة الإنسانية الصلبة أن تحول مسارات الأوطان من ضيق الصراع والإنكار إلى رحابة المصالحة والبناء المتطلع نحو المستقبل.
​القوة الصامتة والثبات الراسخ في وجه الأعاصير
​لقد كان الراحل إدريس بنزكري طرازًا فريدًا ونادرًا من الرجال؛ ففي ترحاله وسكناته، وفي حركته وسكونه، كنتَ تلمح بوضوح تلك القوة الصامتة الهادئة التي لا تحتاج إلى جلبة أو ضجيج خطابي لتُثبت وجودها وتأثيرها، وذلك الثبات الراسخ على المواقف المبدئية الذي لا تزعزعه عواصف التحولات السياسية أو إغراءات المراكز.

ومَن أتيحت له فرصة تأمل تقاسيم وجهه بدقة، وإمعان النظر في عينيه اللتين حملتا بريق الإصرار، يدرك على الفور أن تلك الابتسامة الوديعة والهادئة التي كانت تعلو محيّاه باستمرار لم تكن مجرد تعبير عن فرح عابر أو مجاملة بروتوكولية، بل كانت اختزالًا عميقًا لسمو إنساني فريد، وتشبعًا مطلقًا بالقيم الكونية، وإيمانًا راسخًا بالفكر النقدي البناء وروح النضال الحقيقي المدني المسؤول.
​هذا الثبات لم يكن وليد الصدفة، بل صهرته تجربة مريرة في غياهب الاعتقال السياسي خلال السبعينيات؛ حيث قضى بنزكري سنوات طويلة من شبابه خلف القضبان بسبب انتمائه للحركة الماركسية اللينينية (منظمة “إلى الأمام”).

ورغم قسوة السجن وآلام الحرمان، لم يتسلل الحقد أو الرغبة في الانتقام إلى قلبه، بل تحولت تلك المعاناة الشخصية داخل زنازين “درب مولاي الشريف” والقرية الإصلاحية بعين عائشة إلى طاقة فكرية تحلل بنيات الدولة والمجتمع، باحثة عن مخرج جماعي يضمن عدم تكرار ما جرى، وهو ما ميز أسلوبه اللاحق في العمل الحقوقي الرصين (حيث وُلد الراحل عام 1950 بقرية آيت واحي بنواحي تيفلت، واعتُقل عام 1974 ليقضي 17 عاماً من الاعتقال، مما جعله العارف الأبرز بدهاليز تلك الحقبة).
مهندس العدالة الانتقالية وبصير الحكماء
​لم يكن بنزكري مجرد عابر سبيل في تاريخ الحركة الحقوقية المغربية والعربية، بل كان مهندسًا حقيقيًّا لوعيها المعاصر ومجددًا لأدوات اشتغالها. فمنذ أواخر التسعينيات، وبعد معانقته للحرية، قاد بتبصّر وحكمة مشهودين الحركات الأولى المنظمة لإنصاف الضحايا وتوثيق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. فكان القلب النابض والعقل المدبر وراء تأسيس “منتدى الحقيقة والإنصاف” عام 1999، وصاغ بفكره المستنير وثيقته المرجعية التاريخية “من أجل الحقيقة والإنصاف”. تلك الوثيقة لم تكن مجرد حبر على ورق أو بيان احتجاجي تقليدي، بل تحولت سريعًا إلى خارطة طريق وطنية متكاملة ألهمت المناظرات الفكرية، وأثمرت التوصيات الشجاعة التي أفضت في نهاية المطاف إلى قرار الدولة الاستجابة للمطالب الحقوقية وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة.
​وحين قَبِلَ طواعيةً، وبتكليف ملكي سامٍ من العاهل المغربي الملك محمد السادس، قيادة هذه الهيئة الفريدة عام 2003 لتسوية ملفات الماضي المؤلم المعروف بـ”سنوات الرصاص”، واجه بنزكري بحكمة الكبار شتى تأويلات التوجس والتشكيك، وتصدى بثبات لتهم التخوين والتنازل التي كالها له بعض رفاق دربه القدامى في المعارضة الراديكالية.

لكن الأيام، كعادتها المنصفة مع العظماء والمخلصين، برهنت على عبقرية رؤيته واستشرافه؛ إذ أثبتت التجربة العملية أنه كان يمتلك البصر القانوني والبصيرة السياسية معًا في إدارة الأزمات الوطنية الكبرى.
​جلسات الاستماع العلنية: تحويل الألم إلى رافعة للمستقبل
​استطاع الرجل، عبر تدبير حذر ومضنٍ لأكثر من 16 ألف ملف لضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، وتنظيم جلسات الاستماع العلنية التاريخية التي بثها التلفزيون الرسمي مباشرة إلى بيوت المغاربة، أن يحدث ثورة ثقافية وسياسية غير مسبوقة في العالم العربي والمنطقة. لقد تحول الألم الجماعي المكبوت لعقود، بفضل تلك الشهادات المؤثرة، إلى رافعة حقيقية للمستقبل وتصالح جماعي مع الذاكرة الوطنية، واضعًا بذلك لبنة التأسيس المتينة لعهد جديد يقدس حقوق الإنسان بالمغرب.
​ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل رسالته المؤسساتية بنفاذ بصيرة على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، دافعًا نحو تفعيل توصيات الهيئة في مجالات الإصلاح الدستوري والقضائي، والحكامة الأمنية، وجبر الضرر الجماعي للمناطق التي عانت تاريخياً من التهميش. لقد آمن بنزكري بأن المصالحة لا تعني نسيان الماضي أو طمس معالمه، بل تعني شجاعة النظر في مرآته بعيون ناقدة وبناءة، لكي نستخلص العبرة ونضمن ألا تتكرر المآسي.

إرثٌ خالد محفور في ذاكرة الوطن والأجيال
​هناك مراحل دقيقة من تاريخ الأمم ينبثق فيها حكماء ورجال دولة استثنائيون يسبقون عصرهم بمسافات ضوئية؛ يرحلون مطمئني البال، أوفياء لروح المواطنة الحقة والالتزام الإنساني، دون انتظار جزاء أو شكور، تاركين أسماءهم محفورة بمداد من نور لا يمحى في السجل الذهبي للذاكرة الوطنية. لقد رحل إدريس بنزكري في ماي 2007 بعد صراع مرير مع المرض، رحل آمنًا مطمئنًا بعد أن أدى الأمانة كاملة غير منقوصة تجاه شعبه ووطنه، مؤمنًا بأن قطار الديمقراطية وحقوق الإنسان في المغرب قد وُضع على سكته الصحيحة ولا يمكن أن يرجع إلى الوراء.
​واليوم، ونحن نستحضر ذكراه العطرة ونقف عند محطات مسيرته الاستثنائية، نرفع تحية إجلال وإكبار وإعزاز لروحه النبيلة الطاهرة وهي ترفرف بشموخ وسمو في علياء وجداننا الوطني؛ مجددين العهد الإنساني والسياسي بأن تظل قيم الكرامة الإنسانية، والمحبة، والوفاء الصادق للمبادئ، والعدالة الاجتماعية هي الدرب الواضح الذي نسير عليه بثبات ومسؤولية. إن إرث بنزكري ليس ملكاً للماضي، بل هو بوصلة حية ترشد الأجيال كلما واجهت الأمة تحديات حقوقية أو سياسية جديدة.
​المجد والخلود لروح الرفيق الملهم إدريس بنزكري، والعزة لكل الأوفياء الحاملين لمشعل الحرية والكرامة الإنسانية في كل مكان.

بقلم : عبد الكريم غيلان…كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *