الرئيسية 10 المشهد الأول 10 “التواغيل” بكلميم.. بساتين غناء أنقذتها سواعد عاشقة للطبيعة من الضمور

“التواغيل” بكلميم.. بساتين غناء أنقذتها سواعد عاشقة للطبيعة من الضمور

داخل صورة فوتوغرافية تعود لسنوات بعيدة، مشهد أطفال صغار يتحلقون حول بركة ماء آسنة. في صورة أخرى، جذوع شجر ملتوية وأكياس بلاستيك وأوساخ ونفايات تزاحم عشبا أخضر وأزهار تقاوم الذبول. وفوق كل ذلك ترتفع نخلات متحاذيات.

“تذكر جيدا هذه الصور، وبالضبط صورة البركة”، هذا ما طلبه محمد الفصمطي، عضو جمعية التواغيل للتنمية من وكالة المغرب العربي للأنباء خلال مرافقته لها في حديقة “التواغيل” العمومية بكلميم، هذه الرئة الطبيعية التي تمد ساكنة الإسمنت والحجارة بهواء طبيعي ومكان لتجديد النفس، ومنفذ لمد البصر في أفق مختلف عن العمران وضيقه.

خلال جولة الوكالة رفقة “دليلها البيئي” وابن حي التواغيل الذي تشتق منه الحديقة اسمها، توقف بها عند جسر صغير يمر تحته ما يشبه جدول ماء، تحيطه الخضرة وعلى جنباته تنتصب أعمدة إنارة تناسق جمالية الفضاء الأخضر، قائلا “هذا هو مكان البركة التي رأيتها في تلك الصورة، وهذه النخلة التي كانت تبدو بالقرب منها”. كان المشهد مختلف تماما وأجمل بكل تأكيد.

التواغيل هي جمع تاغولة وتعني “حديقة” أو “بستان”، والحي الذي توجد به الحديقة التي تمتد على مساحة هكتار ونصف الهكتار تقريبا يأخذ اسمه منها. عرفت هذه المنطقة من المدينة منذ القدم بكونها مجموعة من البساتين الخضراء المؤثثة بشتى أنواع الأشجار، من نخيل وتين ورمان، وبغنى فرشتها المائية التي تنساب من الأرض على شاكلة عيون مائية.

“لكن مع بدايات التسعينات، بدأ الزحف العمراني يغزو المنطقة، مما بدأ يقلص المساحات الخضراء التي كانت موجودة ولم يتبق سوى فضاء حديقة التواغيل الذي عرف بدوره تدهورا كبيرا جراء عدم الاهتمام به” يقول رئيس جمعية التواغيل للتنمية، المكلفة بتسيير الحديقة، بخوش الحسين.

ويضيف، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “عدم الاكتراث والزحف العمراني وقلة الوعي البيئي، متمثلا في تراكم مياه ملوثة وآسنة ورمي نفايات منزلية بفضاء الحديقة، إضافة لبعض الظواهر والسلوكات غير السليمة بهذا الفضاء، حولته إلى نقطة سوداء حقيقية في المدينة”.

ولمواجهة هذا الوضع، يواصل السيد بخوش، تأسست الجمعية في 1997 بغرض إيجاد حلول لهذه الإشكالية البيئة والاجتماعية أيضا، و”بدأنا نتخذ مبادرات تهدف إلى التوعية البيئية كانت أهمها تنقية وإعادة تأهيل وتثمين فضاء التواغيل، وتحويله إلى نقطة مضيئة بالنسبة للحي وساكنة المدينة عموما”.

وبعد سنوات من العمل والاستشارة وتبادل الخبرات وعقد الاجتماعات مع كافة المتدخلين من سلطات محلية ووطنية وفعاليات مدنية وخبراء يشتغلون في مجال البيئة، خرج مشروع الحديقة لحيز الوجود، لتفتح أبوابها سنة 2013، بعدما بدأ بنائها منذ 2010.

أما اليوم فقد انتقلت الحديقة من مجرد فضاء للتنزه واستنشاق هواء نقي، إلى فضاء حاضن لأنشطة ثقافية وفكرية وأمسيات فنية، وصباحات تربوية موجهة للتلاميذ لا تخلو معظمها من التحسيس بأهمية تقدير نعمة البيئة وحسن التعامل معها.

وحسب وثيقة لجمعية التواغيل للتنمية التي تتولى إدارة الحديقة، فقد بلغ عدد زوار الحديقة والمستفيدين من الأنشطة المنظمة داخلها برسم سنة 2016 أزيد من 84 ألف مستفيدا ومستفيدة، واستغلت فضاءها 78 مؤسسة، منها 27 جمعية و19 مؤسسة تعليمية و32 مؤسسة أخرى.

كما تم خلال السنة ذاتها، حسب المصدر ذاته، تنظيم ما يقارب 322 نشاطا متنوعا ومختلفا، حيث بلغ عدد الأمسيات والحفلات 29 نشاطا وعدد الورشات والمعامل التربوية 46 نشاطا، بالإضافة إلى 227 نشاطا مختلفا (دروس المراجعة، دروس تحفيظ وتجويد القرآن الكريم للأطفال وللنساء، حصص موسيقية…).

وفي مجال التحسيس البيئي، حرصت الجمعية على تنظيم أنشطة لفائدة الأطفال بالخصوص، من بينها أنشطة تربوية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للأرض طيلة شهر أبريل 2016، وورشات حول تدوير النفايات، ودورات تكوينية للأطر حول البيئة.

وتتوفر الحديقة، التي صارت فضاء ثقافيا أيضا، على أربعة أبواب، كل باب منها يحمل اسما يحيل على ملمح من ملامح الثقافة المحلية، وأحيانا مجسما للدلالة عليه. هكذا تنقلت الوكالة بين باب “البراد”، وباب “الفرس”، وباب “الجمل”، وباب “الكدرة”.

كما أن الحديقة مبنية في شكل طبقي، كأنها جبل ينزل الداخل من قمته نحو سحفه، ويصعد الداخل من أسفله في الاتجاه المعاكس. من قمة الحديقة المشهد خلا ب جدا، يفتح العين على التغيير الذي يبحث عنه أي إنسان بعد يوم عمل شاق أو روتين قاتل. حين كنا في أعلى نقطة في الحديقة، أشار السيد الفصطمي إلى أن “الأدراج التي صعدناها للتو جزء من فضاء مسرح مفتوح في الهواء الطلق، تنظم فيه بعض الأنشطة”، مسرح يحاكي جزئيا وعلى صعيد مصغر مسارح اليونان القديمة. وحين نزلنا أدراج المسرح، توقف “قرب عين مائية مخبأة تحت غطاء إسمنتي، لا زالت تجري منذ سنين مديدة في شرايين التواغيل”.

مشاركة الموضوع
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *