مجتمع

هل يفتح فليبي السادس ملف ضحايا اسبانيا من أمازيغ الصحراء؟

مقال رأي:

على امتداد تاريخهما الطويل، عرفت العلاقات المغربية الإسبانية تقاربا، وتفاهما، وتلاحما وتآزرا، وتعاونا مثمرا في مختلف المجالات، إلأ أن الأسئلة التي تطرح نفسها اليوم قبل أي وقت مضى، خاصة بتولية العاهل الشاب الاسباني الجديد فليبي السادس، هي كيف أن المناطق التي كانت محسوبة على الجارة إسبانيا بقيت لفترة طويلة عرضت للتهميش رغم تدفق الاستثمارات الإسبانية على المغرب؟

ونخص بالذكر إقليم سيدي افني، الذي عانى من تماطل الحكومات الإسبانية المتعاقبة، وعدم الوفاء بتعهداتها والتزاماتها اتجاه المنطقة. فهل يحل الملك الجديد ما عجزت عنه حكومات دولته، من بقايا مأساة ساكنة إقليم افني التي عانت من جراء قربها لإسبانيا ومساندة جيوشها في معارك هي في غنى عنها، تحت تمويه إيديولوجي لازالت الذاكرة الباعمرانية تحتفظ بمآسيها؟

وهل تعتذر اسبانيا أولا عن نكران الجميل خلال هذه المدة، وثانيا عن الاعتراف بحقوق ساكنة افني التي تضمنها المواثيق الدولية، وعلى رأسها جبر الضرر الجماعي للمنطقة، وتعويض ضحايا سياسية فرانكو، وإعادة رفات الجنود الباعمرانيين الذين قضوا في الحرب الأهلية الاسبانية، وما تضمنته وثيقة 30 يونيو 1969، ناهيك عن الاعتذار الرسمي الذي ينبغي أن يكون لأحداث لانزاروثي التي ستبقى وصمة عار على جبين الإسبان مادام أن العدالة لم تكشف عن حقيقة ما جرى.

لقد شكلت الحدود مع المغرب أحدى الأسس التي استند عليها الإسبان في اختيارهم لشمال المغرب “الريف” ولجنوبه “افني والصحراء” وتركت لفرنسا بالمقابل ما كان يسمى بـ “المغرب النافع”، ونظرا لكون استرتيجية هذا التخطيط يرتكز على المقاربة الأمنية بالدرجة الأولى فهي اختارت عن طواعية تلك المناطق نظرا لقربها من اسبانيا، لأن تحكم دولة حسب تقسيم النفوذ يستدعي الأمن الجغرافي والترابي أولا قبل البحث عن منافذ أخرى خارج المجال المتفق عليه، وهو الآخر يخضع للتقسيم بمقاربات أمنية وسوسيولوجية. وهو ما فطن إليه الخبراء الاسبان وعلى رأسهم الجنرال فرانكوا في طلب “حماية” مناطق سيدي افني والريف.

ورغم التعاون والتفاهم والتعايش بين البلدين الجارين المغرب وإسبانيا تبقى مناطق الجنوب “افني والصحراء” مهمشة من حيث تدفق الاستثمارات اليوم، كما كانت في السابق تعاني من ضعف الصناعة الاسبانية بل إن هذا الاستعمار لم يقدم شيئا يذكر بالنسبة لهذه المناطق بالمقارنة مع مناطق النفوذ الفرنسي حيث تتواجد البنيات التحتية وعلى رأسها الطرقات والبنيات التحتية الكبرى والسكك الحديدية  وغيرها من البنيات التي تعكس رفاهية المجتمع الأوربي وتقدمه العلمي، عكس اسبانيا.

فباستثناء مدينة سيدي افني التي شيدت لدواعي عسكرية ودينية، فإن شيئا ملموسا لم يقدم إطلاقا إلى حدود اليوم لساكنة ايت بعمران رغم الالتزامات والتعهدات المرتبطة بماضي اسبانيا في المنطقة.

إنّ المغرب واسبانيا بحكم الموقع الجغرافي الذي فرضه التاريخ، والماضي المشترك، وانصهارهما في بوتقة حضارة عريقة متألقة تمتد إلى الصنهاجيين “أمازيغ الصحراء”، يحتم اليوم على البلدين التفاهم الأمثل، وهما مدعوان أكثر من أي وقت مضى إلى معالجة المشاكل المتعلقة بالماضي الأليم الذي عانت منه ساكنة إقليم سيدي افني والصحراء، وهو حل يوثق أواصر المودة في مرحلة جديدة وفي عهد العاهل الشاب الاسباني الجديد فليبي السادس، الذي لابد أن يعي جيدا أهمية الجغرافيا والتاريخ في معالجة الماضي الأسود لاسبانيا اتجاه ساكنة إقليم سيدي افني بالخصوص.

ونظرا لتشعّب وتعدد القضايا العالقة بين البلدين في مختلف المجالات السياسية فإن رد الاعتبار يأتي ضمن الأولويات، والتماطل عنه بدون وجه حقّ لم يعد مقبولا في زمن لا مكان فيه للتسلط والغطرسة واحتقار الشعوب.

والحالة هذه، ينبغي للبلدين النظر إلى ماضيهما القريب والبعيد بنظرة واقعية، بل يجب عليهما طيّ صفحة الماضي الأليم التي عانت منها ساكنة المنطقة، ومحو الرواسب السلبية التي ما زالت عالقة على جدران ذاكرتيهما الجماعية، وبداية عهد جديد تذوب فيه ومعه الخلافات، وتقلّص معه المسافات، في عصر أصبحت فيه الذاكرة الجماعية أساس التنمية، فهي السر في قبول الأخر، ووسيلة لبناء توافقات أفضل تنشأ فيها التنسيقات الإقتصادية، والسياسية، والثقافية، والإنسانية بين شعوب الدول وحكوماتها، بهدف خلق مفهوم ” جديد للعلاقات في مختلف لأواصر التعاون المبني على حسن النية.

أما الحديث عن التعدّد الثقافي والتنوع الحضاري في المغرب وإسبانيا فإنه يحلو ويطول، ولا يمكن قراءته من سياسيات الحكومات بل من منطق الشعوب ومصيرها المشترك، فالساحل قد يكون خاليا من المغاربة والعرب و”المورو”، كناية على قول مأثور للأسبان يفيد بعدم وجود الخطر على سواحلهم، لكن اليوم ليس خاليا من الأمازيغ، كما كان بالأمس من الثوابت الأصلية في تاريخ الصنهاجين “أمازيغ الصحراء بالأندلس.

نرجو لزيارة العاهل الشاب الاسباني الجديد فليبي السادس أن تضع أسس متينة لتفاهم أكبر، يبدأ برد الاعتبار للمتضررين من ساكنة أمازيغ الصحراء، بروفانسيا ديل افني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *