متابعات | هام

العلاقات المغربية الموريتانية .. بين الموجود والمنشود

ظلت العلاقات المغربية الموريتانية على الدوام متميزة ونموذجية، لأنها ليست وليدة اليوم بل عريقة الجذور عراقة تاريخ الأمتين، والتي حرص البلدان على إبقائها متينة وموصولة.

وقد تكونت لدى البلدين قناعة راسخة بأن ما يتقاسمانه من روابط فريدة وما يتوفران عليه من طاقات وإمكانيات بشرية ومادية هائلة تمثل أساسا متينا وحقلا خصبا للتعاون على مختلف الأصعدة وفي كافة المجالات.

وشهدت علاقات التعاون بين المغرب وموريتانيا انتعاشة ملحوظة خلال سنة 2015 تجلت بالخصوص في تبادل الزيارات بين المسؤولين في حكومتي البلدين، إما في إطار التعاون الثنائي أو المتعدد الأطراف، وتكثيف الاتصالات بين الفاعلين الاقتصاديين المغاربة ونظرائهم الموريتانيين، وارتفاع حجم الاستثمارات المغربية في موريتانيا.

فقد تعددت الاتصالات بين رجال الأعمال المغاربة والموريتانيين الممثلين لمختلف مجالات الأنشطة الاقتصادية، حيث تم تسجيل حركة دؤوبة للاستثمار المغربي في موريتانيا من خلال إقبال رجال أعمال وشركات مغربية كبرى على إنجاز مشاريع بهذا البلد، إلى جانب المساهمة في مشاريع كبرى في مجالات الزراعة والري والتغذية والبناء والتعمير وغيرهاº وهي مشاريع تقدر بعشرات الملايين من الدولارات.

وقبل بضعة أسابيع شارك المغرب الشقيقة موريتانيا في الاحتفالات المخلدة للذكرى 55 لاستقلالها. فبتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، شارك وفد رسمي من هذه القوات، يوم 28 نونبر الماضي، في الاحتفالات المخلدة للذكرى 55 لاستقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية.

وتكون الوفد من ضباط سامين يمثلون هيئة أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية ووحدة من المشاة المظليين التي شاركت في الاستعراض العسكري الذي نظم بهذه المناسبة، والذي كان الأضخم منذ حصول موريتانيا على الاستقلال، وهي المشاركة التي كان لها صدى طيب وواسع سواء في الأوساط الرسمية أو الإعلامية أو الشعبية.

وفي ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي، فإن البلدين يعملان على الاستفادة المشتركة من الإمكانيات الكبيرة التي يتوفران عليها، بشكل يمكن الطرفين من تحريك عجلة الاقتصاد وتنمية الأوضاع الاجتماعية للسكان، وذلك عبر فتح آفاق رحبة أمام شراكات استثمارية بين مقاولات البلدين في مجالات الزراعة والري والتغذية والبناء والتعمير وغيرها.

وفي هذا الصدد، بحث وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، خلال زيارة عمل لنواكشوط، مع الوزير الأول الموريتاني يحي ولد حدمين ووزير الصيد والاقتصاد البحري الناني ولد أشروقة ووزير الزراعة إبراهيم ولد مبارك، أوجه التعاون في مجالي الصيد البحري والفلاحة.

وتم الاتفاق على عقد اجتماع للجنة المشتركة المغربية -الموريتانية في مجال الصيد البحري في أقرب الآجال، بغية بلورة مشروع اتفاق ثنائي يحدد كافة مجالات التعاون.

كما بحث أخنوش وولد شروقة، على هامش الدورة الثالثة لمعرض (أليوتس) بأكادير، سبل إضفاء مزيد من الديناميكية على أنشطة التعاون بين البلدين الجارين في مجال الصيد البحري وتفعيل اللجان القطاعية الثنائية، مؤكدين على أن من شأن تكامل البلدين في مجال الصيد البحري أن يسهم في تعزيز قدرتهما التفاوضية.

وقام رئيس سلطة منطقة نواذيبو الحرة محمد ولد الداف بزيارة عمل للمغرب على رأس وفد موريتاني هام في سياق دينامية الحوار بين البلدين.

وتم خلال زيارة المسؤول الموريتاني التأكيد على ضرورة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في البلدين، وتشجيع تبادل الزيارات بين المقاولين ورجال الأعمال المغاربة ونظرائهم الموريتانيين.

كما تم التأكيد على أهمية تسهيل التواصل بين المقاولات المغربية ونظيرتها الموريتانية، بهدف إقامة مشاريع استثمارية، بما في ذلك مشاريع مشتركة في المنطقة الحرة بنواذيبو وتشجيع التعاون وتبادل التجارب والخبرات بين سلطة منطقة نواذيبو الحرة والمنطقة الحرة بطنجة وميناء الداخلة.

ومن بين أهم المشاريع المغربية التي أطلقت أو تم إنجازها في موريتانيا مؤخرا، مشروع مركب صناعي لتحويل وتثمين الأسماك السطحية الذي يعد أكبر مشروع استثماري أجنبي بالمنطقة الحرة بنواذيبو والذي تصل قيمته إلى 28 مليون دولار.

كما تولت الشركة القابضة المغربية للتنمية والاستثمار في إفريقيا (هولدي أ إف) إنجاز مشروع مركب لتربية الدواجن، وهو ثمرة شراكة موريتانية- مغربية بين القطاعين العام والخاص، والذي تقدر تكلفته الإجمالية بحوالي 35 مليون دولار، فضلا عن افتتاح مشروع لإنتاج اللحوم البيضاء، والتحاق مجموعة (إفريقيا أكوى) بالمقاولات المغربية الكبرى لتنخرط في استثمار هام في مجال توزيع غاز البوطان.

وتضطلع مجموعة (بلاستيما) المغربية، المتخصصة في صناعة وتحويل المواد البلاستيكية، بدور محوري في النهوض بقطاعات الماء والصرف الصحي والري الزراعي في موريتانيا.

فمنذ توطينها بموريتانيا سنة 2010 عملت هذه المقاولة المغربية على توسيع دائرة أنشطتها في موريتانيا، حيث أنها تساهم حاليا، إلى جانب بعض الشركات الأجنبية، في إنجاز مشاريع في حوالي 150 بلدة بهذا البلد الجار، فضلا عن مساهمة مقاولات مغربية أخرى في أشغال إنجاز مشاريع متعددة سواء بمطار نواكشوط الدولي الجديد (أم التونسي) أو ميناء (تانيت).

أما في مجال النقل الجوي، فقد وقعت الخطوط الملكية المغربية والشركة الموريتانية للطيران يوم 11 يونيو الماضي بنواكشوط مذكرة تفاهم مكنت الشركة المغربية على المدى القصير من الرفع من رحلاتها على خط الدار البيضاء- نواكشوط من خمس إلى ست رحلات في الأسبوع، إلى جانب تعزيز التعاون بين الشركتين في المجالين التقني والإداري وكذا في ميدان التكوين.

وفي مجال الاتصالات، تم في 17 يوليوز الماضي تجديد رخصة عمل شركة “موريتل” (فرع اتصالات المغرب) لمدة عشر سنوات تنتهي في عام 2025، علما بأن الشركة كانت قد حصلت على رخصة للجيل الثاني عام 2000 .

وتملك اتصالات المغرب نسبة 51 في المائة من رأس مال شركة “موريتل” التي يصل عدد زبنائها في الهاتف النقال إلى 2.19 مليون مشترك، وهي تغطي مجمل التراب الموريتاني، وتمكن ما يربو عن 90 في المائة من الساكنة من النفاذ للخدمات الأكثر تطورا سواء بالنسبة للهاتف الجوال أو القار أو الأنترنيت.

كما أن شركة “موريتل” تساهم في تمويل الأنشطة الرياضية والثقافية ذلك أنها جددت في شتنبر المنصرم اتفاقية الشراكة التي تربطها بالجامعة الموريتانية لكرة القدم، والتي تمنح بموجبها دعما ماليا بقيمة 320 مليون أوقية (حوالي مليون دولار) على مدى أربع سنوات.

وفي المجال المالي، عزز التجاري بنك موريتانيا (فرع التجاري وفا بنك) موقعه كبنك رائد في بلاد شنقيط يساهم بشكل فعال في دعم الدينامية الاقتصادية التي تشهدها موريتانيا حاليا من خلال تمويل المشاريع الكبرى المهيكلة والبنيات التحتية للنهوض باقتصاد هذا البلد الجار.

ووقع البنك، الذي ارتفع عدد وكالاته في موريتانيا إلى 18 وكالة، مؤخرا عقد شراكة مع اللجنة الشرعية الموريتانية، التي تضم ثلاثة من كبار العلماء والفقهاء الموريتانيين لتسويق منتوجات إسلامية مصادق عليها من طرف اللجنة، وذلك في إطار تنويع منتوجاته والاستجابة لطلب شريحة واسعة من الزبائن.

وفي ما يخص التعاون في مجال الموارد البشرية، يعد التعليم العالي أحد الأعمدة الرئيسية في العلاقات المغربية الموريتانية، حيث بلغ عدد الطلاب الموريتانيين المسجلين بالجامعات والمعاهد المغربية برسم الموسم الجامعي 2013-2014 ما مجموعه 1126 طالبا بمختلف التخصصات العلمية والإنسانية والاقتصادية والحقوقية وغيرها، فيما بلغ عدد المنح المقدمة للجانب الموريتاني برسم السنة الجامعية ذاتها 300 منحة، ناهيك عن العدد الكبير من الطلبة الموريتانيين الذين يتابعون دراساتهم بالمغرب في المؤسسات العليا الخاصة.

أما التعاون في مجال التكوين المهني وتكوين الأطر، فقد سجلت في الفترة الأخيرة ، حصيلة ثرية بفضل المساعدات الفنية والتأطيرية التي قدمها المغرب لموريتانيا، إذ تم التوقيع على خمس اتفاقيات تعاون في مجالات الهندسة والأشغال العمومية.

كما استفادت عدة بعثات موريتانية، تضم مدراء مراكز تكوين وأطر بيداغوجية وموظفين إداريين، من برامج تكوينية بالمغرب، وذلك في إطار مساهمة المملكة في دعم الإدارة الموريتانية لتوفير الموارد البشرية الكفأة والمؤهلة.

ويستفيد عشرات الطلبة والأطر من برامج التكوين والتكوين المستمر بالمغرب في عدة تخصصات منها الكهرباء والبناء وميكانيك السيارات والمكننة الفلاحية والهندسة المدنية والصيانة الفلاحية الغذائية وتدبير المقاولات والفندقة والمسح الطوبوغرافي والمعلوميات وغيرها.

وتجسيدا لوشائج الأخوة التي تربط بين شعبي البلدين، زارت بعثات طبية مغربية متعددة الاختصاصات موريتانيا حيث قدمت مساعدات طبية إنسانية للمرضى من المعوزين وذوي الوضعيات الاستعجالية، لاسيما في اختصاصات أمراض القلب والشرايين.

وتميزت سنة 2015 بحصاد ثقافي غني ومتنوع، إذ نظم المركز الثقافي المغربي بنواكشوط عددا كبيرا من الأنشطة الثقافية والعلمية والفنية. كما شارك في الكثير من الأنشطة التي أقامتها مؤسسات وجمعيات ثقافية بالعاصمة الموريتانية.

وظل المركز بحق جسرا للتواصل الثقافي والحضاري بين الشعبين المغربي والموريتاني، اعتبارا لمساهمته الوازنة في تنشيط الحركة الثقافية المحلية وانفتاحه عليها والتواصل مع كافة الفاعلين فيها من خلال تنظيمه لندوات ومحاضرات ومعارض للفنون التشكيلية وورشات، وترجمة للشعر الحساني إلى اللغة الفرنسية وتدريبات مسرحية وعروض سينمائية.

وإلى جانب الدبلوماسية الرسمية تحركت الدبلوماسية الموازية بدورها بين البلدين على مستوى الأحزاب السياسية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، غايتها في ذلك اتخاذ مبادرات في شتى الاتجاهات والانفتاح على بعضها البعض والانخراط في خدمة ودعم القضايا التي تهم العلاقات بين البلدين.

ويتقاسم الجانبان المغربي والموريتاني القناعة بأن الوضعية الراهنة للتعاون الثنائي لا ترقى إلى مستوى طموحات الشعبين ولا تعكس الإمكانيات والقدرات المتاحة، لذلك يتطلع المسؤولون بالبلدين إلى أن تشكل الدورة المقبلة للجنة العليا المشتركة المزمع انعقادها في الرباط خارطة طريق لتفعيل وتطوير العلاقات الثنائية ومنعطفا في مسار تعاونهما المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *