الرئيسية 10 المشهد الأول 10 ربع قرن في سجون البوليساريو.. عدي عليلوش يروي حكايته -1-

ربع قرن في سجون البوليساريو.. عدي عليلوش يروي حكايته -1-

في هذه الحلقات التي تنشرها مشاهد متفرقة، يروي عدي عليلوش تفاصيل حياته داخل سجون الذل، إذ قضى أزيد من 18 سنة في سجون الجزائر، وما يزيد عن 6 سنوات في سجون تندوف.

 

الحلقة الاولى

إِيــمِيشْكِـــــي

 

   عندما حطّت الطائرة التي تُقِلّني رفقة دفعة من أقدم أسرى الحرب في العالم بمطار الدشيرة بأكادير، صَعد إليها مسؤول عسكري رفيع. تُزَيّن النياشين كتفيه ولمعان الرتب بيّن على صدره. لم يُلقِ علينا تحية، وبدأ يحسب: واحد جوج ثلاثة ربعة…

لم يقل “السلام عليكم أيها الجنود”، كما يجب عليه أن يفعل. حافظ على ملامح صارمة وبَقِي يحسب.. تمنيت أن يُخاطبنا ونستمع إليه بما يكفي من توقير: “عْلا سْلامتكوم أيها الجنود. مَرْحبا بكم في وطنكم الذي ضحّيتم من أجله بشبابكم.

 رحم الله الجنود الأبطال الذين توفّوا في معتقلات الذّل، وبارك في عُمركم. هذه أرضكم التي غادرتموها مجبرين قبل 25 سنة، فمقاما سعيدا، دعوا الأمس هناك وعيشوا اليوم، فالغد بانتظاركم.. “

لا أُحبّ أن أُعَلّم الناس ماذا سيقولون أو ماذا يجب عليهم أن يفعلوا. جُنديٌّ أنا ولست مُعَلّما. لكنني شعرت أنه كان يَعُدّنا كما لو كنا أكياس قمح. خنشة، جوج، ثلاثة خناشي..

سجّل عددنا في مذكرة صغيرة، ثم غادر دون كلام. كان ذلك بمثابة فأل سيء بالنسبة لزملاء جمعنا معهم عدو واحد. سلبنا حُرّيتنا، عذّبنا، واستعبدنا ربع قرن. كانوا يؤمنون أن الدولة سوف تُغدق عليهم مالا يُغنيهم عن العمل والسؤال.

نغّص عليّ هذا “الاستقبال” فرحتي، لكنني نسيت ذلك بعد أن نزلت درج الطائرة. لمّا وصلت أرضية المطار تأكدت أنني في بلادي. أدركت ذلك بأنفي وبقلبي. للوطن رائحة لا يخطئها أنف مُبعَد يحن لكل شيء في بلده. سجدت لله سجدتين.

خاطبت خالقي بأمازيغيتي التي لا أتقن غيرها:

“شكرا لك أيها الكبير الذي في السّماء والأرض وبينهما. حاشاكَ ربّي أن تخذل المؤمنين بك، الخاضعين لمشيئتك وقدرك.. منحتني القوة والشجاعة لأُبعث من جديد. من أجل هذه الأرض دُفِنْتُ في سجون الذل 25 سنة، والآن تمنحني فرصة أُخرى لأرى أمّي وعشيرتي وأعيش ما قدّرت لي أن أعيش بينهم . فشكرا لك يا ألله”..

لا يشعر بقيمة التحليق من شجرة إلى أُخرى، من النبع إلى الجبل سوى الطائر الذي سقط بين أيدي أطفال سُذّج. لا هم ذبحوه ليُمصمصوا عظامه. لا هم أطلقوا سراحه ليعانقها. الحرية طبعا.. تلك المحبوبة التي لا معنى لحياة الطيّور بدونها.

لا أذكر أين سمعت أن الطيور لا تضع بيضها في الأقفاص حتّى لا تُورث صغارها العبودية وتجبَلهم عليها، كذلك الشأن بالنسبة لأسرى الحرب. لم أسمع بأسير حرب أنجب أبناءً في المعتقل! هل يشتهي المسجون معاشرة النساء؟ وهل يُقابل الأسير النساء في المعتقل أصلا؟ وإن حدث أن صادفهن فمسترجلات طمرت ظروف الأسر والعسكرة أنوثتهن، تماما كما تفعل الأمطار بالمقابر المنسية.

وأنا.. عندما أُطلِقَ سراحي، عفوتُ عن الجميع. وجدت العذر للجميع. أحببت الجميع في وطني. من ذلك العسكري الكبير جدا الذي يَعُدّنا كأكياس الدقيق المدعّم، إلى ذلك القريب الذي يسألني في أول ليلة أبيتها في منزلي الطيني بعد ربع قرن من البُعد:

“شْحالْ غَادِي يعْطيوْنَا؟”

أعرف أنه ينظر إليّ كدراهم تمشي. رِزْقٌ جاء به الصّليب الأحمر، ويمكن أن يستفيد منه. لا يَهم أَأنَا في كامل صحتي؟ لم يسألني هل أشكو أَلما ــ وفي القلب آلام ــ أم لا؟

لم يسأل إن كُنت قد فقدت عقلي أم عُدتُ سليما ! لم يسألني عن عدد الأمراض التي تتزاحم في جسدي. كل ما كان يسألني عنه هو: ماذا سَيعْطونَنَا؟

أموال أم منزل وراتب شهري؟

 مبلغ جزافي؟ كم؟

 منزل؟ أين سيمنحوهُ لنَا؟

 وقد تَحدّث بصيغة الجمع لتأكيد حقه في الاستفادة، ما دام قريبا للأسير.

أنظر إليه نظرة رجل عاد من الجحيم ولا يُصدّق أنه عَادَ حيّا وأقول: “لا أنتظر أن يعْطُوني شيئا. العَاطِي الله. “

يقول لي وهو يحاول أن يُذْكِي بعض الصراعات القديمة ويُحَيّنَهَا في خاطري منذ يوم عودتي الأول:

” اسمع يَا عْدّي، لقد تَخاصَمنا مع أيت فْلان. لدينا قَطيعة مع جيراننا أيت فلان. أما أيْتْ فْلان فهم أعداؤنا منذ الاستحقاقات الانتخابية الماضية، نحن في حزب وهم في حزب آخر .لا نزورهم ولا نأكل من طعامهم فإياك أن تبادلهم التّحية”.

أَنظُر إليه نظرة لم يألفها، ثم أقول له:

ــ “لا أعداء لي في هذه القرية النائية. أعدائي تركتهم هناك خلف الحدود. عدوي ذلك السجان الذي يفرض عليّ أن آخذ غائطه بيدي وهو يشهر بندقيته نحوي قائلا: خُذ، ذاك هو فوسفاط بُوكراع. خُذ وإلا أفرغتُ فيك الرصاص. ودون ذلك فلا عَدُو  لي في هذا البلد. “

ينظُر إلي بازدراء كما لو كُنت منبوذ القبيلة وصُعلوكها. تماما كما سمعت من بعض الجيران الذين مررت بجانبهم، يقولون عنّي “إِيمِيشْكِي”. تلك الكلمة التي تُنطق في الجنوب الشرقي بكافٍ أقرب إلى الشّين، وتعني في العربية “المُختفي” أو “الغريب”، وقد تعني دمج الكلمتين معا إضافة ما يكفي من الحُمولة القدحية..

وتسألني أنتَ هل أَخَدتُ حقّي بعد كل هذا العمر المترع بالانتكاسات والخيبات؟

 تسألني أَأَنصَفتني دولتي؟

 أعذرني. ذَكّرتني بكل هذا الذي ذكرت..

لا يهمني أن آخذ مُقَابلا ماليا عن سنوات عُمري التي قَضيتها في الأَسْرِ. ومنها أزيد من ثمانية عشر سنة متنقلا بين سجون الجزائر، وما زاد عن ست سنوات في معتقل الرابوني الشّهير بتندوف.

ليس للحرية ثمن.. وليس للسجن والأَسْر مُقابل..

إنْ نلت مقابلا ماليا عن سنوات عمري التي أفنيتها أَسِيراً فذلك ما أُريده، وإن لم أَنَل درهما فإن حريتي التي نِلتها بعد الأسر أعظم من كل دراهم الكون ودنانيره.

لك أن تتصَوّر أسيرا يقول له سجّان شديد لا رحمة في قلبه:

لا تريد أن تعمل؟

يضربه بمؤخرة السلاح على قفاه: هيا احفر قبرك بنفسك.

يمنحونه فأسًا و”بَالةً” ليحفر قبره بنفسه ليرتاح من ذل الأسر. يتمنى لو يستطع أن يحفر ليُواري نفسه الثرى. لكن مرض الكوليرا ينخر أحشاءَه ولا يلفظ سوى الدم فيعجز عن الحفر..

وتشاء القُدرة الإلهية أن يُكتب له عُمر جديد، ليعيش بين أحضان مواطِنيه.. يعانق أُمّه ويفرح برؤية ملامح وجهها الذي خطّته عوادي الزمن وصَوَادمُهُ، هو الذي لا يرَى سوى سجّانين أجلاف مدة ربع قرن.

ها هي ذي أمي التي بكَتْ عندما أخبروها شهود زور أني توفّيتُ شهيدا في المعركة، فالتحفت زوجتي البياض كأرامل عُدن للتو من دفن أزواجهن، وقد تركتها مباشرة بعد زواجنا، تلبية لنداء الوطن. ها هي أمي تبكي فرحاً.

أفلا يُحسب من غاب في سجون البوليساريو خمسا وعشرين سنة سوى مع المتوفين؟

 عُدتُ من الأنقاض..

تزوجت زوجتي التي لم أُطَلّقها بعد ثلاث سنوات من غيابي، وانتشار خبر استشهادي، وهاهي قد أنجبت من زوجها الثاني فتاتين، ثم ترَقّت وغدت جدّة بعدما أنجبت ابنتها الكبرى صبيا..

وأنا الذي بدأت معها حياتي بأحلام كبيرة، لا أملك سوى هذا “الصّاك” العسكري وملابس تَصْغُرني..

 لا أَلُومها أبدا فالحَيُّ أولى من الميّت.. حُسِبتُ لسنوات في عداد الموتى.. الموت درجات. وأسوأ مراتبه أن نموت في أعين من نُحبّهم..

وتسألني أَأَنا رَاضٍ عمّا أَخذتُ؟

أحكام القدر غريبة ومثيرة للضحك والبكاء. قبل أن ألج الخدمة العسكرية سافرت نحو أزيلال بحثا عن أي عمل مهما كان شاقا. التقيت أقرانا لي يبحثون أيضا عن شغل لإعالة أسرهم الفقيرة، ولما لم نجد في أزيلال شغلا لنا جميعا قال لي أحدهم:

ــ “أقترح عليك أن نذهب إلى الجزائر للعمل في الضيعات الفلاحية. سمعت أن بلاد الجزائر تعج بفرص العمل، وبأجور معقولة”. كان ذلك سنة 1973.

قلت له بعنفوان الشباب:

ــ”لن أُوَلّي وجهي شَطْرَ الشرق سوى للصلاة أو للحج إن كُتِبَ لي. إما أن أذهب للشمال نحو أوروبا أو أبقى هنا في المغرب”.

لكن الأقدار شاءت أن أعود إلى دوّاري بالنقوب، لأجد المقدم ينتظرني:

ــ “لديك موعد يوم غد بزاكورة لِلْمَڭاجْيَة“..

ڭاجيتْ.. وتدرّبت ما قدّر لي رئيسي أن أتدرّب.. ثم أُرْسلت للصحراء.

ولم أكن أعرف أن البلد الذي رفضتُ أن أذهب إليه عاملا في الضيعات، سأذهب إليه أسيرا مقطوع الجناحين مدة ثمانية عشر سنة، متنقلا بين معتقلاته السرية والعلنية..

إنها الأقدار.. والمكتوب على الجبين لازم تْشُوفُو العِينْ..

مشاركة الموضوع
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *