تربية وتعليم

مجرد وجهة نظر: العنف المدرسي من المراهق تجاه مدرسه: مقاربة تربوية لفهم الظاهرة

في الآونة الأخيرة، انتشرت ظاهرة العنف المدرسي بشكل مقلق، وازدادت حدتها داخل الفضاء الرقمي، حيث تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد توثق حالات من العنف الصادر عن بعض المراهقين تجاه أساتذتهم. ومهما تعددت الأسباب والدوافع، يبقى من أبرزها الضغط النفسي الذي يعيشه المراهق مع اقتراب نهاية الموسم الدراسي، وارتفاع منسوب القلق بسبب الامتحانات والاستحقاقات المصيرية.
فالمدرسة ليست مجرد فضاء للتعلم، بل هي امتداد طبيعي للأسرة، وشريك أساسي في تربية الأبناء وبناء شخصياتهم. وما يزرع في البيت، كثيرا ما يثمر في المدرسة. وإذا كانت الأسرة تغرس في الطفل قيم الحوار والاحترام والانضباط، فإن المدرسة تعزز هذه القيم وتنميها.
وفي المقابل، فإن ما يتعرض له المراهق داخل المدرسة من تهميش أو عنف رمزي أو غياب التواصل، قد ينعكس سلبا على سلوكياته في البيت، والعكس صحيح. لذا، فإن أي محاولة جادة لمعالجة ظاهرة العنف المدرسي لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار هذا التداخل العميق بين المؤسستين: البيت والمدرسة، وتعمل على ترسيخ ثقافة الحوار والفهم المشترك من أجل تربية متوازنة ومجتمع مدرسي سليم.
وبعيدا عن المقاربة الأمنية التي تركز على الزجر والعقاب، سأحاول في هذا السياق ملامسة الموضوع من زاوية تربوية أسرية، سعيا لفهم أعمق لهذه السلوكيات، ومعالجتها بأسلوب يعزز التواصل والتوازن داخل الأسرة والمدرسة على السواء.
فهم سلوك المراهق: مرحلة التمرد بين التحدي والنمو.
تعد مرحلة المراهقة من أكثر مراحل النمو حساسية وتعقيدا، حيث يعيش الأبناء تحولات بيولوجية ونفسية واجتماعية تدفعهم أحيانا إلى التصرف بطريقة تبدو مزعجة أو مستفزة. وقد يصف البعض هذا السلوك بما يعرف شعبيا بـ ( الضسارة) أي “السلوك المستفز، أو الطابع العدائي في التواصل”، غير أنه في حقيقته ليس سوى انعكاس لصراع داخلي يسعى فيه المراهق إلى بناء هويته وإثبات استقلاله.
مظاهر السلوك المزعج لدى المراهقين (مع أمثلة واقعية):
1. الردود المستفزة والنقد المبالغ فيه:
قد يقول المراهق عند طلب القيام بمهمة بسيطة:
“لماذا تطلبون مني كل شيء وكأنني وحدي في هذا البيت؟”
أو يعلق بطريقة ساخرة:
“أنتم تتصرفون كأنكم تعرفون كل شيء، وأنا لا أفهم شيئا!”
تفسير تربوي: هذه الردود غالبا ما تخفي شعورا بالحاجة إلى المساواة والاحترام، حتى إن كانت الطريقة غير ناضجة.
2. العناد والتمرد:
حين يطلب منه الالتزام بوقت العودة إلى المنزل، يجيب:
“جميع أصدقائي يعودون في وقت متأخر، لماذا أنا وحدي مقيد بهذه القواعد؟”
تفسير تربوي: العناد هنا يمثل وسيلة للدفاع عن حقه في الاستقلال، ولو بشكل خاطئ.
3. الاستخفاف بآراء الوالدين:
في نقاش حول الدراسة أو العمل المستقبلي، قد يقول:
“أنتم لا تدركون كيف أصبح العالم، فزمنكم قد مضى!”
تفسير تربوي: مثل هذا الرد يعكس حاجته ليشعر بأنه جزء من هذا الزمن وله رأي يحترم.
4. كثرة التذمر:
يقول المراهق:
“المدرسة عبء ثقيل، ولا أحد يقدر ما أتحمله، حتى في البيت لا أجد راحتي!”
تفسير تربوي: هذه العبارات لا تدل على إهمال أو كسل، بل على شعور داخلي بالضغط أو بعدم الفهم والخوف من المستقبل.
5. إظهار اللامبالاة:
عند سؤاله عن نتيجة امتحان مهم، يرد:
“لا يهمني، فكل شيء في النهاية سواء.”
تفسير تربوي: اللامبالاة هنا قد تخفي قلقا من الفشل أو خوفا من التقييم.
6. العزلة والانطواء:
يفضل البقاء في غرفته لساعات طويلة، واضعا السماعات في أذنيه، ولا يرغب في الحديث.
تفسير تربوي: هذا السلوك قد يكون طريقة للهروب من الضغوط أو للتعبير عن الحاجة إلى مساحة شخصية.
7. التأثر الزائد بالأصدقاء:
يبدأ في تبني آراء أصدقائه وتصرفاتهم، وقد يقول:
“صديقي قال إن هذا أفضل، وأنا أوافقه تماما.”
كما قد يقلدهم في بعض الأمور
تفسير تربوي: الأصدقاء في هذه المرحلة يمثلون مرآة للذات، ومصدرا مهما لبناء الهوية.
كيف يتعامل المربي مع هذه السلوكيات؟
1. لا تتعامل مع الأمر على أنه شخصي:
ما يقوله المراهق ليس موجها لك شخصيا، بل هو انعكاس لصراع داخلي بين التبعية والاستقلال.
2. امنحه مساحة خاصة:
احترم خصوصيته، ولا تجبره على التواصل أو المشاركة العائلية إن لم يكن مستعدا، بل اجعل التواصل قائما على الرغبة لا الفرض.
3. اختر لغة الحوار لا الأوامر:
بدلا من أن تقول: “عليك أن تذاكر ساعتين يوميا!”، قل: “ما رأيك أن نتفق سويا على جدول للمذاكرة يناسبك؟” وهذا يدخل في باب المشاركة في اتخاذ القرار
4. تجنب التهكم والنقد القاسي:
جملة مثل: “أنت لا تزال صغيرا لتفهم!” أو ” هل تعتبر نفسك ندا لي” ( تقادو الكتاف باللغة الشعبية) قد تجرح كرامته. قل بدلا منها: “وجهة نظرك مهمة، فلنناقشها بهدوء ، وسأشاركك وجهة نظري كذلك، وباحترام متبادل.” لأن الإقناع والإقتناع سمة الإنسان العاقل والحكيم.
5. احترم رأيه ولو خالفك:
إذا عبر عن رغبة في اختيار تخصص دراسي غير تقليدي، استمع إليه وناقشه بعقلانية دون استخفاف.
6. كن قدوة في ضبط النفس:
إن رفع صوته، فلا ترد عليه بالصراخ، بل قل بهدوء: “سأكون مستعدا للاستماع حين تهدأ، وسأسجل جميع آرائك وملاحظاتك بفخر واعتزاز”
7. ضع حدودا واضحة دون تسلط:
لا مانع من وجود قوانين منزلية، لكن الأفضل أن تكون ناتجة عن نقاش مشترك، لا عن فرض صارم.
8. تابع علاقته بأصدقائه دون رقابة مفرطة:
حاول أن تتعرف على أصدقائه وتفهم طبيعة علاقتهم به دون إصدار أحكام مسبقة أو فرض رقابة تؤدي إلى فقدان الثقة.
وفي الختام:
تذكر أن المراهق لا يتعمد مضايقتك، بل يسير في طريق البحث عن ذاته. وكلما كنت حاضرا بتفهمك، وهادئا في ردودك، وداعما دون ضغط، اجتاز هذه المرحلة بثقة وأمان.

بقلم محمد الزهراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *