في لحظة لا توقيت لها، يسقط جزء من القلب، حين يرحل من كان صوته يمشي قبله، ويحمل همّ الجماعة قبل همّ نفسه. لم يكن مبارك هرندو شخصًا عاديًا؛ كان رجلًا من معدن نادر، من طينة أولئك الذين إن حضروا، زرعوا الوعي، وإن غابوا، تركوا فينا فراغًا لا يسده سوى الصدى.
في قرية بيگرى، حيث الشمس تميل خجولة على وجوه الرجال الصامدين، وُلدت أولى شرارات الحلم الأمازيغي، هناك حيث وضع مبارك هرندو حجر الأساس لأول جمعية ثقافية وتنموية: جمعية بيگرى للتنمية والثقافة. لم تكن مجرّد جمعية، بل كانت ولادة وعي جديد، مقاومة من نوع آخر، قوامها الكرامة والمعرفة والانتماء.
مبارك، الذي عرفته باريس كما عرفته أيت باعمران وسوس والصحراء، كان مهاجرًا يحمل الوطن في جيبه الخلفي، ويخبئه في دفاتره، يوزعه على المهاجرين في شكل نصيحة، مساعدة، أو حضن يشبه دفء الأرض التي طردتهم منها الحاجة. كل من مرّ بباريس من أبناء الجنوب، سمع باسمه، أو تذوق أثره دون أن يعرف، لأنه لم يكن يسعى للظهور، بل كان يسعى للعبور… عبور الحق إلى من يستحقه.
عندما تجرّأ البعض على الحلم، كان مبارك أول من سكب عليه زيت الشجاعة. ساهم في تأسيس الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي، ذاك الحزب الذي أرعب السقف الرسمي بقدر ما أعاد الأمل لقلوب ظلت لعقود تبحث عن مرآة تعكس ملامحها الحقيقية. وفي ملتقيات الحزب، كان الحضور يرتبك حين تطل عمامته البيضاء، كانت راية سلام وعزّة، لا تفارقه، تمامًا كما لا تفارقه كلماته التي كانت كالسكاكين تقطع أوهام الخضوع.
ولأنه لا يكتفي بالشعارات، سمّى ابنته تيترِيت، “النجمة” بالأمازيغية، ليعلن أن الهوية لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ بالأسماء، بالمواقف الصغيرة التي تكسر أكبر القيود.
كان قلبه موصولًا بكل مناضل، من شوقي المعتقل السابق ببلدية إفني، إلى الدكتور عبلا برو، ومن لم يُذكرهم التاريخ، لكن سجلهم هو… مبارك هرندو نفسه. كان يشبه الأشجار التي تنحني لتظلّل الآخرين، دون أن تطلب شيئًا في المقابل.
وفي الجنوب المغربي، حين اجتمع الأحرار على حلم الحزب الأمازيغي، كان مبارك هرندو في مقدّمة الركب، لا يفاوض على الكرامة، ولا يتراجع أمام التهديد. كان صوته لا يشبه الأصوات، بل يشبه الغضب النبيل، والماء الذي يحفر في الصخر.
الآن، وقد فارقنا الجسد، ما تزال الروح تطوف بيننا، في اسم “تيترِيت”، في حكايات المهاجرين، في عمامته البيضاء، في الجمعية التي أسسها، في الحلم الذي لم يُكمل، لكنه فتح لنا بابه.
وداعًا مبارك… كنت أكثر من صديق، كنت ذاكرة نضال، ووصيّة حياة.
بقلم: عمر إفضن
