في حِضنِ جبالِ الأطلسِ المتوسط، حيثُ تتعانقُ القممُ الشاهقةُ مع سكونِ الزمان، يختبئُ جُرحٌ غائرٌ في خاصرةِ أغبالو اسردان، إقليمِ ميدلت. هناك، تتجلى مأساةٌ إنسانيةٌ، تأبى أنْ تُوارى في غياهبِ النسيانِ، كأنفاسِ طفلٍ ضاعتْ في صحراءِ التجاهل.
إنها فاجعةُ مقتلِ قاصرٍ بريءٍ، راعي غنمٍ لمْ يبلغْ من عمرِ الزهورِ إلا أوانَ قطفِها، قضيةٌ ما زالتْ تلفّها أستارٌ من الغموضِ، في خضمِّ صمتٍ مريبٍ، ومحاولاتٍ حثيثةٍ لطمسِ معالمِ الحقيقةِ، كأنما الزمنُ يُرادُ له أنْ يطويَ صفحةً لمْ تُكتبْ بعد.
تَتراءى لنا خيوطُ التحقيقاتِ الأوليةِ، كهمساتٍ خجولةٍ تتسللُ من خلفِ الكدرِ، لتُزيحَ ستارَ الشكِّ عن فرضيةِ الانتحارِ. هذا الاستبعادُ، كَوميضِ برقٍ في ليلٍ بهيمٍ، يُشعلُ في نفوسِ الأكثريةِ قناعةً راسخةً بأننا أمامَ جريمةِ قتلٍ عمدٍ، نسجتها أيادي الغدرِ. وتتوجهُ الأناملُ، كسهامٍ موجهةٍ، نحو جَانٍ معروفٍ، تُشيرُ إليهِ كلُّ البراهينِ، حتى أدواتُ الجريمةِ، من حبلٍ وأعوادٍ، يُقالُ إنها تَشهدُ على ملكيتِها لشخصٍ لطالما لَوثتْ سوابقهُ سجلَّ التهديدِ والوقائعِ المشبوهةِ.
فهلْ غَدَتْ دماءُ أبناءِ الفقرِ بضاعةً رخيصةً تُباعُ في سوقِ النفوذِ؟ وهلْ لأنَّ الضحيةَ مجردُ راعٍ للغنمِ، ابنُ راعٍ للغنمِ، باتَ من اليسيرِ تزييفُ التقاريرِ وتضليلُ ميزانِ العدالةِ، ليُسدلَ الستارُ على ملفٍ لمْ تُفتحْ بعدُ صفحاتهُ كاملةً؟
تَتناقلُ الألسنُ في المنطقةِ أحاديثَ كوشوشاتِ الريحِ في غاباتِ السنديانِ، عنْ مبالغَ ماليةٍ باهظةٍ، تتجاوزُ العشرةَ ملايينِ سنتيمٍ، أُلقيتْ في ساحةِ المجدِلةِ، كَثمنٍ لإسكاتِ صوتِ الحقيقةِ وتشويهِ وعيِّ الناسِ. إنها محاولاتٌ يائسةٌ، كَمنْ يحاولُ دفنَ الشمسِ بذرِ الترابِ، لدفنِ الحقيقةِ تحتَ أطنانٍ من الأوراقِ والمالِ. لكنَّ الحقيقةَ، كَنبعٍ متدفقٍ، لا تُدفنُ، ودمُ هذا الطفلِ الصغيرِ سيظلُّ لعنةً في أعناقِ كلِّ منْ صمتَ، أوْ ساهمَ، أوْ تقاعسَ عنْ نصرةِ الحقِّ
وأمُّ الضحيةِ، التي تبكي دماً قبلَ الدموعِ، عيناها ترنوانِ إلى الأفقِ البعيدِ، تنتظرُ بصيصاً من الأملِ، وعدلاً يغمرُ روحها المثقلةَ بالحزنِ، من دولةِ الحقِّ والقانونِ التي لطالما تغنَّتْ بمبادئها الساميةِ. فكرامةُ المواطنينَ وحرمةُ الدماءِ أسمى من أيِّ سلطةٍ، وأعظمُ من أيِّ مالٍ، وأقوى من أيِّ نفوذٍ. إنَّ الضميرَ لا يُشفى بالصمتِ، والعدالةَ لا تنامُ. إننا نطالبُ بوطنٍ يُعاملُ فيهِ أبناؤهُ بعدلٍ وإنصافٍ،
لا حسبَ انتماءاتهمْ، ولا أصولهمُ الاجتماعيةَ. فلترتفعِ الأصواتُ، ولتتعالى المطالباتُ، كعاصفةٍ تهزُّ أركانَ الظلمِ، بكشفِ الحقيقةِ كاملةً، وإنصافِ روحِ هذا القاصرِ الذي غادرنا مبكراً، تاركاً وراءهُ ألماً وصراخاً لا يخفتُ صداهُ، كصدىً يُرددُهُ الجبلُ في أوديتِهِ. فهلْ سيستجيبُ الصمتُ لنداءِ الحقيقةِ؟

عبد الكريم غيلان
كاتب رأي