آراء

هل تصنع الوسائل الرقمية وعينا؟.. رأي عمر حلي في واقعها المهيمن

بقلم عمر حلي

مجرد رأي
أصبحنا نقف اليوم على حقيقة أن كل رهان الوسائل الرقمية هو أن تساهم في التخلص من العديد من الأشياء التي كانت تعتبر أساسية، وأهمها على الإطلاق مساهمتها في التجرد من ثقل القيم. ولذلك، ولتسهيل هذه المهمة، فإن وقع الشبكات الاجتماعية آنيٌ وزائل، وقصير المدى، وتلكم هي الأشكال التي يمكن أن تيسر هذه المهمة.
فلهذه الوسائل وقع آني لكونها ترتبط باللحظة المباشرة التي تتزامن مع بثها، أو تسعى إلى ذلك الارتباط سعيا. وكلما بَعُد إصدارها عن لحظة وقوع الحدث قلّ وقعها وانتفى الاهتمام بها، لأنها تصنف بسرعة ضمن خانة ما سبق الاطلاع عليه Le déjà vu.

ووقع هذه الوسائل زائل لأن المتلقي يكون قد اندمج في الذي يليه، لينسي الموضوع نفسه، ويتيه في أمواج من “العواجل” التي يمحو الواحد منها الآخر في دوامة تكاد لا تنتهي.
ولا يمكن لهذا الوقع إلا أن يكون قصير المدى. فهو زبد يذوب بسرعة وتمحي آثاره بعد حين.
ومن الخطير أن هذا الوقع معتل بشكل قصدي. فهو يؤسس لشتات فكري، ويضرب قدرة المتلقي على بناء عناصر تفكير نقدي. ويتيح بطبيعته هيمنة خطابات مبتسرة ومختصرة ومشوهة. وينجم عن ذلك شيئان: أولهما سهولة في إشاعة الخبر الزائف والمضر، وعمل على إماتة كل جذور التمحيص والغربلة، وترسيخ فكر طوباوي قائم على التشكيك في الأشياء كلها، وتقويض كل هوامش التصويبات الممكنة التي، وإن تمت، يغلب عليها المحو في أغلب الأحيان، وتعيق فهمها مناطق الراحة التي اعتاد المتلقي أن يضع نفيه فيها.
وثانيهما، كل تلك المساعي التي أفضت إلى الابتسار والاختصار السلبي الذي مهد الطريق لغلبة القِصر في الخبر، منذ سنوات، مع الفايس، وبعده مع التيكتوك الذي أكد القاعدة. وهو ما سمح بفرض نموذج الوصلات الإشهارية والدعائية، التي خلقت بدورها ما أصبحنا نطلق عليه اليوم مؤثرا أو تيكتكورا.

نعلم طبعا أن النموذج المهيمن في مجتمع الاستهلاك هو كذلك. ولكن يهمنا أن نشير هنا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي فقدت كثيرا من وظائف المقاومة والتعبئة التي عُرفت بها في البداية، وفي بعض المحطات تحديدا. ولنا في حالة ما يطلق عليه “الربيع” أمثلة واضحة، مثل ما تابعناه في مصر وفي تونس مثلا سنة 2011.
وقد تنبهت الهيئات السياسية والنقابية والجمعيات المدنية لهذا الأمر، في حينه، وعملت على تكوين شبيباتها، ومناضليها، وأطرها، على هذه الأدوات الجديدة وعلى آليات توظيفها من أجل توجيه الرأي العام. وهي المرحلة التي ظهر معها مفهوم “الذباب الإلكتروني”، خاصة عندما لجأت بعض الأحزاب السياسية إلى توظيفه في حملات موجهة مثل مقاطعات بعض المنتوجات أو التشهير بالخصوم واستغلال هفواتهم.

وقد تنبهت الدول والحكومات إلى مخاطر هذه الوسائل الجديدة، وعملت على ضبطها عبر مدخلين اثنين:
اولهما إحداث مصالح تقنية خاصة، وُظف فيها تقنيون ومهندسون من ذوي الخبرة والمعرفة في المجال الرقمي، من أجل تفكيك كل الخطابات واستباق كل الحملات؛
وثانيهما سن قوانين ردعية متعلقة بهذه المجالات وبالنشر عبرها. وقد ساعد على سنها واعتمادها بسلاسة وسرعة، ارتباطُ الموضوع بالخلايا الإرهابية وبالمجموعات المتطرفة وبضرورات تفكيكها وتتبعها ورصد آليات تواصلها، خاصة وأن العمل على خبرات تتبع الشبكات العنكبوتية كان قد انطلق باحترافية كبيرة منذ أحداث 11 شتنبر التي شكلت إنذارا قويا في هذا الباب، وهذا موضوع آخر.

اليوم وقد فرضت وسائل التواصل الرقمية نفسها، لم يعد لنا بد من أن نبحث عن “تعايش” ما معها، خاصة بعدما فشل المجتمع في كبح لجامها؛ وكلنا يذكر كيف أن الآباء كانوا ينهون عن الانغماس في الفايسبوك إلى أن وجدوا أنفسهم وقد ابتلوا بالشاشات الصغرى ولم تعد تفارقهم هم أنفسهم، إلى درجة أنها غيرت علاقاتهم بمحيطهم القريب، وخلقت لكل منهم عالما صغيرا منغلقا، يقطع الاتصال مع المحيط، ويمنح الإحساس بالإشباع ويستنبت الأرق، ويبعد النوم عن مآقيهم. وبذلك لم نعد نسمع أحدا ينهى عن استعمال الهاتف، أو عن الإبحار في العوالم الزرقاء، وتلك التي تلتها. شاشة واحدة كان يعتقد أنها سوف تصمد هي شاشة التلفاز، ولكنها، وجدت نفسها مهجورة في المنازل واصبحت لا يلجأ اليها إلا في مباريات الأندية الكروية الكبرى في المقاهي، لأنها تساعد على تطهير جماعي وترويحٍ لم يستطع أي فن من الفنون أن يرقى إلى بلوغه.

من أين نبدأ؟
من أين نبدأ إذا ترسخت لدينا القناعة بأن هذه الأدوات يجب أن تنفع؟ سوف يكون لنا مدخلان والحالة هذه:
– مدخل التعليم والتكوين. وهو أفضل المداخل؛ غير أنه يعاني من نزعة تقليدية لا تريد أن تغير أساليبها. لأن أي مساس بتلك الأساليب، قد يؤدي إلى تجريد الأستاذ من صفته باعتباره مصدرا للمعارف ويؤدي، في الوقت نفسه إلى إعادة النظر في المضامين التي أكل عليها الدهر وشرب.
– ومدخل الفنون واللغات والثقافات، والمعارف الجديدة التي يستوجب الاطلاع عليها استخدام هذه الأدوات الرقمية بالأساس. ولنا في الشات-جي-بي -تي خير مثال عن ذلك. وينضاف إلى هذا المدخل اعتماد مفهوم للبحث العلمي أقرب إلى الابتكار المرتبط ليس بسياق الراهن، بل بتطلعات المستقبل الحابل بتغييرات متسارعة، قلبت المفاهيم وغيرت الرؤى والانتظارات. ولا ادل على ذلك تلك الأحاديث المتواترة اليوم حول مجتمع المعرفة وحول مهن الغد وحول المدن الذكية وغيرها.

ولن يكون للمجتمع خيار آخر سوى في مقاومة أولى تساهم في تحويل الأدوات الرقمية إلى آليات لتطوير التعلمات وتوسيع المدارك وإشاعة المعارف، بكل اللغات مع تركيز على القيم التي لا تعني الانغلاق، بقدر ما تعني توسيع الآفاق بناء على أرصدة ثقافية وحضارية سوف تظل دوما هي الأساس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *