اهتزّ الرأي العام الإسباني، خاصة، والأوروبي والدولي عامة، فور الإعلان عن قرب صدور كتاب “المصالحة” لمؤلفه الملك الاسباني “خوان كارلوس”، بعد خمس سنوات في منفاه الاختياري ،كما لو أن الاعتراف تأخّر كثيرًا، أو أن الذاكرة الجمعية الاسبانية كانت تترقّب ما إذا كان هذا الصمت سيُكسر يومًا ما.
قد تُعطى تفسيرات وتصورات، والكتاب لم يصدر بعد، وقد يُعتقد أنه لا يُقدَّم كدفاع ولا كهجوم، بل كجردٍ إنساني لأخطاء ومكاسب، لانكسارات وصعودات، لتاجٍ ثقيلٍ لم يعد جزءًا من جسده، لكنه لم يغادر ذاكرته.
حين يقرّر ملكٌ سابق أن يكتب، فإن الأمر لا يكون عابرًا، وحين يُصدر هذا الملك كتابًا بعنوان: “المصالحة”، بعد أن بلغ عامه السابع والثمانين، وبعد أن عاش منفاه الاختياري بعيدًا عن وطنه وقصوره، فإن هذه المصالحة لا تكون مجرد عنوان لكتاب، بل أقرب إلى لحظة اعترافٍ أخير أمام مرآة التاريخ!
الملك المنفي اختياريًا “خوان كارلوس”، الذي اعتلى عرش إسبانيا في مرحلةٍ مفصلية، وكان رمزًا للتحول الديمقراطي في بلدٍ مثخنٍ بجراح ماضيه، لم يكتب مذكّراته في أوج سلطته، بل كتبها في أوج عزلته، ربما كان اختياره للكتابة خرقًا هادئًا لوصية والده، الذي أوصاه بالصمت، قائلًا له: “إن الملوك لا يكتبون، وإن الأسرار تُدفن داخل القصور لا بين دفّتي كتاب”.
ومع ذلك، اختار أن يروي. لا ندري كيف سيكتب، وبأي حسّ فكري أو إنساني أو سلطوي، وربما لأنه شعر، كما قال، بأن “قصّته تُسرق منه”.
ربما أراد أن يستعيد صوته بعد أن صادرت وسائل الإعلام الإسبانية والأوروبية والعالمية، والمقالات النقدية، صورته، دون أن يجد حقّه في الدفاع عن نفسه، واقتصر حضوره في الذاكرة العامة على العثرات والفضائح!
الإعلان عن قرب صدور كتابه “المصالحة”، يجعل من الكتابة هنا أكثر من فعل توثيق، بل مقاومة ضد اختزال الإنسان، وضد نفي امتداداته الشخصية والتاريخية.
لذلك أراد “خوان كارلوس”، الملك من دون تاج، أن يعيد ترتيب حكايته، أن يواجه التهم بضمير الملك، لا بمرافعات المحامين.
في اعتقادي، أن “المصالحة”، كما وردت في العنوان، ليست مجرد تصفية لحساب سياسي، بل محاولة رقيقة لاسترضاء ماضٍ مضطرب، فهي، إذن، خطاب موجه للشعب الإسباني، وربما للأب، وربما لابنه الملك الحالي، وربما – وهذا الأرجح – لنفسه، خاصةً وقد بلغ من الكِبَر عتيًّا.
ترى، ما الذي سيحدث بعد هذه المذكرات؟ هل ستُغيّر شيئًا؟ هل تؤثّر في الملك فيليبي الذي بنى شرعيته على مسافة محسوبة من والده؟ هل يلتقط الإسبان الخيط العاطفي في النص، فيستعيدون شيئًا من الودّ القديم؟ هل سيغفرون عثرات وأخطاء ملك؟ أم أنهم سينظرون إلى الكتاب كحيلةٍ متأخرة من رجلٍ فقد مجده ولم يبقَ له سوى الورق؟
في نهاية الأمر، بعد خمس سنوات من المنفى قد يشعر الملك، أن ليس من المهم إن غفر له أحد من أفراد شعبه، بل أن يجد داخله نوعًا من السلام ، أن يقول كلمته الأخيرة، لا كملكٍ مخلوع، بل كرجلٍ قضى عمره بين أروقة السلطة وظلال الذنب !!
وحين يكتب ملكٌ عن المصالحة، فهو لا يبحث عن البراءة، بل عن الفهم، عن استيعاب الحكاية كلها: بما فيها من ضعفٍ وقوة، من صمتٍ كان يومًا فضيلة، وصار الآن عبئًا.
ترى، عن ماذا ستكشف محتويات الكتاب؟ من يُصالح من؟ وهل يكفي الحبر ليروي جراحًا لا تُرى؟ وهل تنجح الكلمات فيما فشلت فيه البيانات الرسمية والخطب؟ لا إجابة حاسمة، لكن المؤكد أن الملوك، حين يكتبون، فإنهم يقولون أكثر مما أرادوا، ويسكتون عن أشياء أكثر مما ندرك ، والقرّاء، وحدهم، من سيقرّرون إن كانوا قرأوا قصّة ملك، أم سيرة رجلٍ قرّر أخيرًا أن يتصالح مع ظلّه، من منطلق: كل البشر خطّاؤون، وخير الخطّائين التوّابون.
” مشاهد الجنوب” بقلم: إبراهيم أبهوش مدير مكتب” مشاهد” جهة العيون الساقية الحمراء