آراء

تيزنيت.. مَعْبَدُ الذكرى ومُنْتَدى الروح: خمس سنوات على صُعُود فارس الأمازيغية

تحت سماء تيزنيت، التي هي قِبلةُ التاريخ ووعاءُ الألق، وحيثُ تتربعُ هذه المدينةُ العتيقةُ عرشاً منيراً للفكر المتوثب والنضال الصادق، تستفيقُ الجموعُ على وقعِ نداءٍ خفيٍّ لاستحضار ذكرى مرور خمسة أعوامٍ على أفول نجمٍ فكريٍّ وسياسيٍّ نادرِ السطوع: المناضل الأمازيغي الأغرّ، الأستاذ أحمد الدغرني، طيّب الله ثراه.
​في فجر يومي الجمعة والسبت، الموافقين 17 و 18 أكتوبر 2025، تتحوّلُ تيزنيتُ إلى محرابٍ للوفاء، ومنصةٍ متجددةٍ يتلى فيها سِفْرُ رجلٍ سكبَ جوهرَ حياته في كؤوسِ قضايا الهويةِ المستباحةِ والعدالةِ المنشودة. إنه ليس مجردُ تأبينٍ يعبرُ كظِلِّ سحابةٍ، بل هوَ احتفاءٌ بمسيرةِ قامةٍ تجاوزت حدودَ المرافعةِ الحقوقيةِ لتُصبحَ قِبلةً في مِحرابِ الفكرِ الأمازيغيِّ الحديثِ. إنّ الدغرني لم يكنْ مجردَ مُحامٍ أو كاتبٍ أو سياسيٍّ، بل كانَ “مهندسَ المعمارِ المؤسساتيِّ”؛ فمن نَسْجِ رؤاه وشدّةِ عزيمتِه قامتْ صُروحٌ شامخةٌ؛ أبرزُها: الكونغرسُ العالميُّ الأمازيغيُّ، كما كانَ ربّانَ سفينةِ المجلسِ الوطنيِّ للتنسيقِ بينَ الجمعياتِ الأمازيغيةِ، وواضعَ اللبنةِ الأولى لحزبِ الديمقراطيِّ الأمازيغيِّ المغربيِّ سنةَ 2005. هذه الإسهاماتُ ترسمُ مَشْهَداً لمناضلٍ نقلَ القضيةَ الأمازيغيةَ من “رُمُوزِ المطلبِ الثقافيِّ” إلى “صَهيلِ الممارسةِ السياسيةِ والدستوريةِ”.
لقد كانَ الدغرني، الذي أطلّ على الحياةِ من قريةِ تادارتَ بآيتِ با عمرانَ سنةَ 1947، صَوتَ الرعدِ الهادرَ في الدفاعِ عن كرامةِ الإنسانِ وحقوقهِ الثقافيةِ واللغويةِ للأمازيغِ في المغربِ. فـ”لقاءُ الوفاءِ” هذا ليسَ إلاَّ نافذةً نطلُّ منها على جَمالِ مسارِهِ الفكريِّ والنضاليِّ والسياسيِّ، وتتويجاً لجهدِه المضنيِّ في زرعِ شتلةِ الديمقراطيةِ والحداثةِ، التي آمنَ بها أيقونةً وحيدةً لارتفاعِ المجتمعِ المغربيِّ من كبوته.
​إرثٌ كالنهرِ.. وتجديدٌ لأفقِ الرسالة
​تُشكّلُ الذكرى الخامسةُ لرحيلِ الدغرني، الذي خَطِفَتْهُ يدُ المنونِ في 19 أكتوبر 2020 بعدَ صراعٍ مريرٍ معَ عِلَّةِ الباركنسون، “نُقطةَ تحوّلٍ مضيئةً” لتجديدِ عهدِنا معَ أصالَةِ مبادئِهِ. إنّ البرنامجَ المُعدَّ لهذا الموعدِ لا يكتفي بترنيمِ أناشيدِ الماضي فحسبُ، بلْ يتخذُ من سيرةِ الراحلِ “جِسراً فكرياً” لعبورِ أثيرِ النقاشِ نحو آفاقِ العملِ الأمازيغيِّ الجديدةِ في المغربِ، في ظلِّ “تموّجاتٍ عميقةٍ” يشهدُها المشهدُ الاجتماعيُّ والسياسيُّ. فكيفَ تستلهمُ الأجيالُ الصاعدةُ من شجاعةِ المفكرِ الدغرني ومن جذريةِ تحليلاتِهِ؟ هذا هوَ “اللؤلؤُ الجوهريُّ” الذي تسعى فعالياتُ تيزنيتَ لانتشالِهِ من بحرِ السكونِ.
​لقد خلّفَ الدغرنيُ وراءَهُ “مكتبةً فكريةً مترفةً ومِعطاءةً”، تتراوحُ ألوانُها بينَ تحليلٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ عميقٍ وإبداعٍ قصصيٍّ وروائيٍّ شفيفٍ، عاكسةً اهتمامَهُ “الشموليَّ” بالهويةِ ونسيجِ المجتمعِ. فمن دراساتِهِ المُحكمةِ عن “حياةِ ابنِ تومرتَ وعبدِ المومنِ بنِ عليِّ الكوميِّ” و”الكتلِ الاجتماعيةِ بالمغربِ”، إلى مقالاتِهِ التي هي كالنصلِ في “الحكومةِ الديمقراطيةِ أو حكومةِ التناوبِ”، وصولاً إلى إبداعاتِهِ الأدبيةِ التي تَلْمَعُ كـ “دموعِ الغولةِ” و”مدينةِ النهايةِ”، ناهيكَ عنْ جهدِهِ الثقافيِّ الكبيرِ بترجمتِه الأمازيغيةِ لـ “روميو وجولييت”؛ يبرزُ تنوّعُ عطائِه ومَدَى شموليةِ رؤيتِهِ
​إنّ تيزنيتَ، وهيَ تفتحُ ذراعيها لهذا الحشدِ، لا تُكَرِّمُ مجردَ شخصٍ، بلْ تحتضنُ مدرسةً نضاليةً وميراثاً فكرياً يُلزمُ الأوفياءَ بالاستمرارِ في مَسيرةِ الدفاعِ عن المبادئِ التي من أجلِها عاشَ أحمدُ الدغرنيُّ وناضلَ حتى آخرِ رمقٍ. إنه لقاءٌ يُوَشِّحُ الزمانَ ليؤكّدَ أنَّ روحَ “فارسِ الأمازيغيةِ” لا تزالُ حاضرةً كالنَّفَسِ الأولِ، تُسهمُ في نَقشِ وعيِ مغربِ الغدِ. ففي رِحابِها، تستحضرُ المدينةُ روحَ الدغرنيِّ، وفي رحابِها، تَعِدُ بأنَّ شعلةَ القولِ والفعلِ لن تنطفئ.
عبد الكريم غيلان/ كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *