في أروقةِ الزمانِ المتهدّمة، وعلى مشارفِ العقدِ السادس، تتجدّدُ ذكرى فاجعةٍ ليست كأيّةِ ذكرى؛ ففي مثلِ هذا اليوم، تجثو الحقيقةُ مذبوحةً على عتبةِ الزمن، لتُعيدَ استحضارَ جريمةِ اختطافِ الأيقونةِ الأمميةِ الشَّهيدة، المهدي بن بركة. لقدْ كانَ الاختفاءُ قاصمةَ ظهرٍ، لمْ يَعْبُرْ ضجيجُها أزقةَ باريسَ فحسب، بلْ انطلقَ زلزالًا ضميريًا، هزَّ أركانَ العدالةِ المستكينة، وكشفَ عنْ خيوطِ مؤامرةٍ مُعقّدةٍ، تنسابُ كالزيتِ على الماء، عابرةً الحدودَ والأوطان، من قلبِ “عاصمةِ الأنوار”، تحديدًا أمامَ عتبةِ مقهى “ليب” الشاهدِ الصَّامت.
لقدْ توالتْ الأعوامُ كأمواجِ بحرٍ لا يرتوي، وها هو صوتُ نجله، البشير بن بركة (75 عامًا)، يرتفعُ هذا الصباحَ كـنغمٍ شَجِيٍّ في أثيرِ إذاعةِ فرنسا الدولية (RFI)، حاملًا معه صَرخةَ عائلةٍ سُلِبَ منها ركنُ السَّكينة. إنهُ صوتُ الانتظارِ الذي شيَّبَ صبرَ السِّنين، لا يطلبُ الابنُ مالًا ولا متاعًا، بلْ هوَ توقٌ أزليٌّ لمعرفةِ مصيرِ الرّفاتِ المقدّسة؛ لِعلَّ العائلةَ تظفرُ بـ**”طقسِ العزاءِ والدّفن”**، ذلكَ الواجبُ المُقدّسُ الذي تستجيبُ لهُ الشَّرائعُ وتستكينُ إليهِ الأعراف، ليُسدلوا سِتارَ النّسيانِ النّازف على صفحةِ وَجَعٍ ظلتْ مفتوحةً تتنهّدُ ألَمًا لستةِ عقودٍ عجاف.
ستون عامًا ووجهُ الحقيقةِ مُكتنَفٌ بظُلمةِ الكتمانِ القَسريّ. فهلْ كلُّ هذا المدى الزّمنيّ كانَ كافيًا لـتتلاشى الجُثّةُ في غياهبِ العدمِ، ويبقى الأثرُ شُعلةً لا تخبو؟ إنَّ مُناشدةَ العائلةِ لرفعِ لِثامِ السِّرِّ عن مكانِ الجُثمان، تتجاوزُ كونها آهةً شخصيةً عابرة؛ إنها صَدىً لجُرحٍ جَماعيٍّ غائِرٍ، ومُطالبةٌ بـإجلاءِ الحقيقةِ لتُطوى صفحةٌ من سِجلِّ التّاريخِ المُظلِم، ويُوضعَ حدٌّ لأطولِ حِدادٍ قَسريٍّ، حيثُ الرُّوحُ تبقى مُعلَّقةً بينَ السَّماءِ والأرضِ، تنتظرُ قُبلةَ التُّرابِ الأخيرة.

عبد الكريم غيلان /كاتب رأي