في لوحة رياضية خطها العزم قبل المال، والإصرار قبل الدعم، سطر فريق “شباب السوق المركزي” (المرشي) ملحمة كروية، تُوّجت بتأهل تاريخي ومستحق إلى “البطولة الوطنية دوري الطريق إلى الكان المغرب 2025” (CAN). هذا الإنجاز، الذي يهز أركان الصمت والإهمال، لم يكن مجرد فوز في مباراة، بل كان “قنبلة مدوية” انفجرت في آذان كل مسؤول منتخب عن تدبير الشأن المحلي بجهة كلميم وادنون.
الإرادة العارية في مواجهة الترف الممول
تأهل “شباب المرشي” لتمثيل الجهة في المحفل الوطني بالرباط، لم يأتِ من رحم التسهيلات أو جراء الرعاية الفائقة. بل كان وليد جهد ذاتي، ومؤهلات فردية صقلتها قلة الحيلة وشدة الرغبة في التحدي. تخيلوا: فريق فتي، يمتلك من الإمكانيات أبسطها، لا يتكئ على تمويل سخي أو منشآت فخمة، ولكنه يملك “إيمانًا راسخًا بالله وقدراته”، و”إرادة صلبة” كسرت حواجز الاستحالة.
في الإقصائيات الجهوية بدار الشباب كلميم، كان الأداء رسالة لا لبس فيها:
نصف النهائي: دكّوا حصون ممثل إقليم آسا الزاك بنتيجة 4-0، أربعة أهداف نظيفة أعلنت عن ميلاد قوة لا تُستهان بها.
المباراة النهائية: حسموا اللقب بتغلبهم على ممثل إقليم طانطان بنتيجة 5-2، بخماسية أكدت علو كعبهم وشرعية تأهلهم.
لقد حقق هؤلاء الشباب ما عجز عنه أولئك الذين تتدفق عليهم سبل العناية والتمويل بلا حدود. في الوقت الذي تُصرف فيه الأموال الطائلة، وتُبذل الوعود الرنانة، كان “شباب المرشي” يعملون في صمت، يزرعون بذور النجاح بأيديهم، ليحصدوا ثمار العزم الذي لا ينضب.
صمت مخزٍ.. وصفعة لمن يديرون الشأن المحلي
إن الجانب الأكثر إيلامًا في قصة هذا الإنجاز هو “الغياب التام لكل العناية المفروضة”، و**”الصمت القاتل”** الذي واجه هذا الفوز العظيم. تأهل وطني، يرفع اسم الجهة في أهم دوري كروي وطني، ولم يتلق هذا الفريق الشاب “حتى كلمة تهنئة” من طرف المسؤولين المنتخبين، أو الجهات المعنية بالرياضة على المستوى المحلي والإقليمي!
أي معنى تدبير الشأن المحلي هذا؟ وأي رسالة يُبعث بها لهؤلاء الشباب؟ رسالة مفادها أن العمل الجاد، والإنجازات التي تُرفع بها رؤوس الأقاليم، لا تستحق حتى مجاملة لفظية!
هنا، يجب أن ترتفع نبرة التساؤل: أين أنتم يا منتخبون؟ هل أغمضتم أعينكم عن حقيقة أن الرياضة هي المدرسة الأولى لصناعة المواطنة، وأن دعم هؤلاء الشباب هو استثمار في مستقبل المنطقة؟ إن صمتكم المدوي لا يعدو كونه “صفعة مؤلمة” تُوجه لأجيال تتوق إلى الفرصة والتقدير. هذا الإهمال هو إعلان ضمني بأن الأولوية ليست للكفاءة الذاتية والإنجاز الحقيقي، بل لما هو معلب وممول بشكل صاخب.
بصيص نور وحيد.. كلمة شكر واجبة
وسط هذا الجفاف المخجل، لمع نجم واحد يستحق التنويه والتقدير، وهو المندوب الإقليمي لوزارة الشبيبة والرياضة، الأستاذ السيد منصور. لقد كان هذا المسؤول الوحيد الذي قدم التهاني وأبان عن عناية مشكورة، مؤكدًا أن هناك من لا يزال يرى قيمة هذا الإنجاز ويقدر حجمه. فله كل الشكر والتقدير على هذا الموقف الذي يمثل قمة المسؤولية والاحتفاء الحقيقي بالشباب.
إن تأهل “شباب السوق المركزي” هو إشارة قوية ومزلزلة: إن الإرادة الذاتية قادرة على تجاوز كل عقبة يضعها سوء التدبير أو الإهمال المتعمد. فهل يستفيق المسؤولون المنتخبون عن الشأن المحلي من سباتهم، ويدركون أن أمامهم كنزًا من الطاقات يحتاج فقط إلى كلمة تشجيع، وقليل من الدعم اللوجستي، ليكونوا قنابل إنجاز تفجر الفخر في ربوع الجهة؟
فليرتفع صوت الإنجاز، ولتسمعوا صرخة “المرشي”… إنهم قادمون إلى الرباط، حاملين على أكتافهم أحلام جهة لم تلتفت إليهم إلا بعد فوات الأوان!.
عبد الكريم غيلان /كاتب رأي
مكتب الجنوب: سيدي افني
