في حلقةٍ من حواراتِ المساءِ المكلَّلةِ بأريجِ الذكرياتِ وشغفِ الملاحظةِ، انبلجَت شرارةُ حكمةٍ من لسانِ صديقٍ؛ ملاحظةٌ لم تكن مجردَ رأيٍ عابرٍ، بل ترياقٌ مُقطَّرٌ من جوهرِ التجربةِ الصاغرةِ. وعندما استسلمتُ لوقعِ الكلماتِ، وجدتُني أمامَ مرآةٍ أدبيةٍ تعكسُ واقعَ مدينتِنا العزيزةِ، سيدي إفني، بفرادةٍ آسرةٍ ودقةِ رسّامٍ ماهرٍ.
لقد رسمَ، بمسحةٍ من أسىً نبيلٍ، صورةً لتلكَ المدينةِ الوادعةِ، التي تبدو وكأنها تعيشُ وفقَ رزنامةٍ كونيةٍ خاصةٍ، أو ربما تتبعُ إيقاعَ قلبٍ يتباطأُ وينشطُ حسبَ فصولِ الوجدِ والترقُّبِ. إنَّ نبضَ حركتِها اليوميَّ لا يتجاوزُ ساعتينِ اثنتينِ، هما جناحا الفجرِ الكاذبِ بينَ السابعةِ والتاسعةِ مساءً، حيثُ تتنفَّسُ الساحاتُ الصخبَ الهادئَ قبلَ أن يعودَ الصمتُ ليسدلَ ستائرَه.
أما الإيقاعُ الأسبوعيُّ، فهو لا يعدو يومينِ من عُرسٍ مؤجَّلٍ: السبتُ والأحدُ؛ محطَّتا الأنفاسِ العميقةِ، حيثُ تُلقي المدينةُ رداءَ سباتِها وتتزينُ بضيوفِها وعشَّاقِها. وفي سيمفونيةِ العامِ، لا يعزفُ وترُ النشاطِ الصاخبِ إلا في شهرينِ كريمينِ: تموزَ وآبَ، هما لُبُّ العشقِ الذي لا يفنى، حتى أنَّ صديقَنا أشارَ إلى “تشفيرِ الحنينِ” في ترقيمِ مركباتِها (87)، وكأنَّ اللوحاتِ المعدنيةَ تخبِّئُ سرَّ يوليوزَ وأغسطسَ بينَ طيَّاتِها.
وفي قمةِ الصورِ البيانيةِ، أطلقَ العبارةَ التي ارتقتْ بالحديثِ إلى مستوى الأسطورةِ: “سيدي إفني هي المدينةُ الوحيدةُ التي تابعتْها العينُ”. لم يكنْ يقصدُ العينَ الحاسدةَ التي تُردي، بل تلكَ المفارقةَ الشعريةَ بينَ الخرافةِ والواقعِ. فـ”العينُ” التي نخشاها في موروثِنا الشعبيِّ، هي بالذاتِ نقطةُ انطلاقِنا الجغرافيةُ نحو كلميم، وكأنَّ القدرَ يضعُ أمامَنا رمزَ الأساطيرِ كعلامةٍ على الطريقِ. هي سخريةُ القدرِ المخبَّأةُ في تضاريسِ الأرضِ، حيثُ يضحكُ الجنونُ المجازيُّ على عُقمِ التفسيرِ المباشرِ.
إفني، يا سيدي، ليستْ مجردَ مدينةٍ، بل قصيدةٌ مُهملةٌ تنتظرُ من يكتشفُ إيقاعَها السريَّ، ويعانقُ فروقَها الدقيقةَ، ويفهمُ أنَّ صمتَها ليسَ غياباً، بل ترنيمةُ تأمُّلٍ عميقةٍ في حضرةِ زمنٍ يمرُّ على غيرِ هُدى.
سيدي افني
عبد الكريم غيلان /كاتب رأي