مما لاشك فيه ان هناك عدة محددات ستغير مصير البوليساريو بعد موت محمد عبد العزيز، وقرار المملكة المغربية العودة الى احضان منظمة الاتحاد الافريقي، ومطالبة 28 دولة من اعرق البلدان الافريقية طرد الجمهورية الوهمية من الاتحاد الافريقي، ولم يصبح بمقدور الجبهة أن تعود كما كانت من قبل، فخارطة القوى الانفصالية التي باتت مشتتة ومرتبطة بمحددات، منها القبلي بين رقيبات الشرق ورقيبات الساحل، ومنها الإقليمي بين قيادات قريبة من الجزائر وقيادات قريبة من موريتانيا، ومحددات الحفاظ على المواقع وحماية المصالح ، وابتعاد انفصاليي الداخلي من مربع القيادة في المخيمات، والتغييرات التي جرت خلال السنوات الماضية بظهور تيارات معارضة غادرت المخيمات، وجماعات إسلامية متطرفة تخترقها تدريجيا، وباتت تنظر إلى الخلافات حول القيادة الجديدة كفرصة مفتوحة لاستقطاب المزيد من المحتجين والساخطين في المخيمات… كلها مؤشرات وتغييرات وتحولات تربك حكام الجزائر في الاستعمال الإستراتيجي لورقة البوليساريو للتنافس الإقليمي مع المغرب والاستمرار في توجيه الرأي العام الجزائري نحو “خطر خارجي ” يُسمى المغرب.
يقول المحلل السياسي المغربي عبدالرحيم منار اسليمي إن الجزائر التي نشرت سكان مخيمات تندوف طيلة أربعين سنة في رقعة ترابية كان من المفترض أن تكون فارغة، لكونها منطقة غبار نووي ناتج عن التجارب النووية الفرنسية شديدة الانفجار ، تُظهر أن استضافتها لسكان مخيمات تندوف لم تكن مجانية، وإنما لتعمير منطقة لن يسكنها الجزائريون نتيجة وجود غبار نووي، وبذلك اختارت توظيف البوليساريو في مخيمات تندوف كورقة استنزاف للمغرب، دون أن تنتبه قياداتها إلى أنها وطنتهم في منطقة غبار نووي وقد تكون حالة مرض وموت محمد عبدالعزيز بسرطان الرئة ناتجة عن هذا الغبار ، فملفه الصحي موجود لدى الأمريكيين، وقد يستعملونه في الوقت الملائم ضد المخابرات والعسكر في الجزائر.
يضيف هذا المحلل انه قبل رحيل محمد عبد العزيز استشعر حكام الجزائر وعلى رأسهم القائد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري خطورة المرحلة القادمة وبادر الى إدخال المخيمات ضمن المنطقة العسكرية الثالثة، تحت قيادة اللواء سعيد شنقريحة، الذي قاد العديد من المناورات العسكرية قرب الحدود المغربية بمشاركة عسكريين من البوليساريو.لكن الملاحظ هو ان التحول الجديد في ملف البوليساريو بات موضوع صراع شخصي بين رئيس أركان الجيش الجزائري القايد صالح الدي يحاول الهيمنة على ورقة البوليساريو وتوظيفها للاستمرار في قيادة الجيش عبر دفع البوليساريو إلى شن حرب ولو محدودة، تعيد التوازن إلى ملف الصحراء ورئيس المخابرات الجديد البشير طرطاق، الذي يحاول السيطرة على الانفصاليين لإحداث نقطة تلاقي في مخيمات تندوف بين جماعة بلمختار وجماعة أبو الوليد الصحراوي، وتطعيمهما بالمقاتلين الإرهابيين القادمين من ليبيا وشمال مالي، واستعمالهما كذراعيين إرهابيين قرب الجدار الأمني المغربي، والبحث عن ممرات تسريبهما نحو التراب المغرب عبر النقطة الحدودية بين موريتانيا والمغرب، وبهدا يكون كلاهما (القايد صالح وطرطاق) لا يريدون الاستمرار في المسار التفاوضي الذي تدعو إليه منظمة الأمم المتحدة.
داخل قصر المرادية يقول منار السليمي وفي الكواليس تناقش الحرب المباشرة وترحيل سكان المخيمات نحو قبر عبد العزيزحيت عملت المخابرات الجزائرية مند مدة طويلة على تغيير البنية الديمغرافية للمخيمات وتطعيمها بمجموعات بشرية من مناطق شمال مالي وتشاد والنيجر للإعداد لحرب جديدة بالوكالة ضد المغرب، إلا أن ظهور حركات اجتماعية ومجموعات سياسية معارضة لفلول القيادة وتغير موازين القوى بين القبائل كلها عوامل تُضعف فرضية الحرب التي كانت تريدها الجزائر بالوكالة مع المغرب عبر البوليساريو.
نفس المحلل يقول ان الجزائر اليوم تحافظ على ورقة البوليساريو رغم إدراكها أنها باتت غير صالحة للتوظيف بإشعال حرب استنزاف جديدة مع المغرب. لكن مؤشرات أخرى ترتفع وتُقرب مسافة الحرب كالإفلاس الاقتصادي الدي يهدد الجزائر والصراع الدائر حول السلطة، وارتفاع تكلفة تأمين الحدود، وشعور القيادات العسكرية بخطر فتح ملف جرائم العشرية السوداء، وارتفاع سقف الطائفية في غرداية، وبوادر الصراع السني الشيعي الذي تنقله إيران، الحليف الإستراتيجي للجزائر من الشرق الأوسط نحو الجزائر، والانفصال الدي تلوح به منطقة القبائل، وتراجع النفوذ الفرنسي لفائدة الولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر ، كلها عوامل تؤشر على أن جنرالات الجزائر قد يغامرون بورقة انتحارية وحيدة يملكونها للبقاء في السلطة، وهي إعلان الحرب المباشرة ضد المغرب، ودفع ساكنة المخيمات نحو المناطق العازلة إلى جانب قبر محمد عبدالعزيز، بعد إبادة كل المعارضات في المخيمات..لذلك فمخيمات تندوف تُواجه نوعين من التهديدات، هما تغير الحسابات الإستراتيجية للجزائر، وبقايا الغبار النووي في المنطقة، التي وضعتها فوقها المخابرات الجزائرية. مما يندر بزوال هده الجبهة الانفصالية.