متابعات

التعليم الخصوصي بسوس..واقع مضطرد وارتفاع في رسوم التسجيل والتمدرس

مع قرب بداية كل موسم دراسي تطرح عدة تساؤلات حول واقع المؤسسات التعليمية بشقيها العمومي والخاص، وماذا استجابة البرامج التعليمية لمتطلبات سوق الشغل.

وكان الملك محمد السادس قد وجه، منذ سنوات،خطابا إلى الشعب بمناسبة تخليد ذكرى ثورة الملك والشعب، سلط فيه الضوء على ملف حيوي يتعلق الأمر بملف التعليم، ودق ناقوس الخطر حوله ورسم خريط طريق لتجاوز المعيقات. وأرجع الملك اختلالات التعليم إلى اعتماد بعض البرامج والمناهج التعليمية، التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق الشغل، وإلى الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي، إلى بعض اللغات الأجنبية، في التخصصات التقنية والتعليم العالي. ودعا الملك إلى وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات في قطاع التربية والتكوين. مشيرا إلى مكتسبات مهمة تحققت منها الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي.

و قال الملك إن “ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة. مضيفا أن هذا هو ما دفع عددا كبيرا من الأسر، رغم دخلها المحدود، لتحمل التكاليف الباهظة، لتدريس أبنائها في المؤسسات التعليمية التابعة للبعثات الأجنبية أو في التعليم الخاص، لتفادي مشاكل التعليم العمومي، وتمكينهم من نظام تربوي ناجع. وأكد الملك في خطابه عدم العمل على تعزيز المكاسب التي تم تحقيقها في تفعيل ذلك المخطط بل تم التراجع، دون إشراك أو تشاور مع الفاعلين المعنيين، عن مكونات أساسية منه، تهم على الخصوص تجديد المناهج التربوية، وبرنامج التعليم الأولي، وثانويات الامتياز”.

فهل المؤسسات الخاصة في منآى عن الإنتقادات التي وجه الملك للمنظومة التعليمية والمدرسة العمومية؟ وهل نتوفر على تعليم خصوصي في المستوى؟ أم أن البعد الربحي يتحكم في التعليم الخصوصي في غياب تعليم عمومي في المستوى؟ سوف نحاول في هذا الملف التطرق لوضعية التعليم الخصوصي بأكادير ونواحيها، ووضعية العاملين به، ومحاولة الإجابة عن تساؤل ماذا التزام هذه المؤسسات بالقوانين الجاري بها العمل في مجال تدبير المؤسسات التعليمية الخاصة.

قبل البدء

إن إقرار أعلى سلطة بالبلاد بأن الوضع التعليم الخصوصي بالمغرب ليس في منآى عن الإشكالات التربوية والتعلمية التي لازمت التعليم العمومي في العقود الأخيرة.

وعرف التعليم الخصوصي بجهة سوس ماسة درعة حركية مشهودة في السنوات الأخيرة، تطورا ملحوظا كما وكيفا،وظهور مؤشرات عديدة تدل على أهمية القطاع، وتناميه ومساهمته في المنظومة التربوية بالجهة.

إن الوعي المتزايد والمتنامي بدور وأهمية التعليم الخصوصي في المنظومة التربوية لبلادنا، باعتباره شريكا استراتيجيا للمدرسة العمومية وللدولة في تنزيل مضامين البرنامج الاستعجالي على أرض الواقع.. فهل اصبح التعليم خصوصي بديلا عن المدرسة العمومية؟ هل هناك تنافس إقصائي بين القطاعين؟ ما حدود بين طموح المستثمر في القطاع والبعد التربوي للمدرسة الخصوصية؟ هل الوزارة الوصية تفرض القوانين المؤطرة للمدرسة الخصوصية على المستثمرين على القطاع؟ هذه الأسئلة وغيرها مازالت تؤرق الباحثين في الشأن التربوي والمهتمين بالمدرسة الخصوصية والعمومية على حد سواء.

فقد عرفت مدينة اكادير ونواحيها تناسلا مضطرا للمدارس الخصوصية، وأصبح البعض يرى فيها منافسا حقيقيا للمدرسة العمومية، التي تعيش وضعا صعبا على كافة الأصعدة، إذ أصبح الآباء يلجؤون إلى المدارس الخاصة لتعويض النقص التربوي والتحصيلي المسجل في المدرسة العمومية.

المؤسسات الخصوصية بالجهة في أرقام

سجلت المعطيات الرسمية أن الاستثمارات بالتعليم الخصوصي بأكاديمية جهة سوس ماسة درعة تتركز بالدرجة الأولى بمدينتي أكادير وإنزكان آيت ملول، مستبعدة مراكزها الحضرية أو القروية الأخرى التي ظلت بعيدة عن مجال تدخل هؤلاء المستثمرين.

وتؤكد تلك الإحصائيات ان مستثمري التعليم الخصوصي، أنه ما ثبت قط، منذ أن تم إنشاء أول مؤسسة تعليمية فشلوا في القطاع، بل إن أرباب المؤسسات التعليمية القديمة تمكنوا من مضاعفة تلك الإستثمارات بخلق سلسلة من المدارس التابعة لها، أو توسيعها إن بأحياء أكادير، أو بإنزكان، وذلك عكس باقي مدن أقاليم الجهة كتيزنيت وتارودانت واشتوكة آيت باها.وحسب نفس الإحصائيات فإن عدد مؤسسات التعليم الخصوصي خلال الموسم الحالي ازيد من 200 مؤسسة،

وتفيد نفس المعطيات أن تلاميذ التعليم المدرسي الخصوصي، ان عدد التلاميذ المسجلون بالتعليم الخصوصي يمثل 11.3 في المائة من المجموع الإجمالي للتلاميذ المتمدرسين بالجهة، إذ وصل عدد التلاميذ بالتعليم العمومي 680386 تلميذا بزيادة تقدر ب 3,3 في المائة مقارنة مع سنة 2023، فيما وصل عدد التلاميذ 77296 تلميذا بالتعليم الخصوصي منها 57279 تلميذ بالتعليم الابتدائي و12612 تلميذ بالتعليم الإعدادي، بالاضافة إلى 7405 تلميذا بالتعليم التأهيلي. كما تم تسجيل انخفاض في عدد التلاميذ بالتعليم الخصوصي مقارنة مع سنة 2023 بناقص 0,82 في المائة. كما أشارت نفس المعطيات أن عدد تلاميذ التعليم الخصوصي يمثلون نسبة 8 في المائة من العدد الاجمالي لكافة التلاميذ من هذا الصنف على الصعيد الوطني.

تحفيزات لتشجيع الإستثمار في التعليم الخصوصي

أقرت مجموعة من التقارير الوزارية بعدة إختلالات في قطاع التعليم الخصوصي كالتفاوت في التغطية بين المناطق، بالإضافة إلى تفاوت في العرض بالنسبة للأسلاك التعليمية وضعف نسبة توسيع بنيات الاستقبال مقارنة بنسب الزيادة في أعداد المتمدرسين، مع تسجيل ضعف قدرات التدبير التربوي والإداري لدى نسبة من العاملين بالقطاع، ناهيك عن الوضعية الهشة للمستخدمين من مدرسين وإداريين.

وأعلنت الحكومة أن من أهداف التعليم المدرسي الخصوصي، المساهمة إلى جانب الدولة في تعميم التمدرس، وكذا في تخفيف أعباء الدولة في مجال تنمية قطاع التربية والتكوين، وكذا المساهمة في الرفع من جودة التعليم وتحسين مردوديته، بالاضافة إلى  المساهمة في الرفع من وتيرة النمو عن طريق الاستثمار والتشغيل.

وخصصت رزنامة من التحفيزات المزدوج التي تضمنتها مقتضيات الاتفاق الإطار لتنمية قطاع التعليم المدرسي الخصوصي والرفع من جاذبيته، حيث قررت إعفاء هؤلاء من الرسوم الجمركية، ثم إعفاء مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي من ضرائب الجماعات المحلية بواسطة القانون رقم 06/47 المتعلق بضرائب الجماعات المحلية والذي دخل حيز التطبيق من أول شهر من سنة 2008. ومكنت الحكومة القطاع الإستفادة من صناديق الإنعاش، عبر خلقها لآليات التمويل المشترك للدولة التي تقدم 30% من قيمة الإستثمار في خلق مؤسسة، ومد هؤلاء بـ 40% من قيمة الاستثمار على شكل قرض من موارد”صندوق إنعاش التعليم الخاص”.

تهرب وتملص من تأدية الواجبات الضريبية

ورغم هذه القرارات التحفيزية إلا أن التعليم الخصوصي بالجهة سجل تهرب وتملص أرباب المؤسسات من تأدية الواجبات الضريبية للدولة، متمسكين بإعفائهم رغم كون القانون يدخلهم في خانة المؤسسات الخدماتية، حيث تعبأت وزارة المالية في السنوات الأخيرة إثر عدم إدراج إعفائهم ضمن ميزانية الدولة، لزجرهم وامتثالهم كغيرهم من المؤسسات الخدماتية، حث تم الحجز من ممتلكات المؤسسات المتملصة من أداء واجباتها.

وكان هدف أرباب مؤسسات التعليم الخصوصي الإعفاء الضريبي عبر تشجيع الحكومة للإستمارات في القطاع. خاصة بعد أن تراكمت الضرائب على المؤسسات الخاصة منذ سنة 1998 بفعل افتقار القوانين المالية لنصوص تتحدث عن إعفاءات ضريبية بشكل صريح. وعدم إقرار هذه الإعفاءات دفع بأرباب المؤسسات التعليم الخصوصي إلى الزيادة في كلفة التعليم، التي كانت محددة في مبلغ 1100 درهما شهريا، فإنها أصبحت اليوم تتجاوز هذا الرقم بكثير، وهي مرشحة للارتفاع أكثر في ظل هذه المنظومة الضريبية.

وفي هذا الصدد، ومع حلول كل موسم دراسي جديد تجدد أسئل الآباء عن معايير التسعرة التي تعتمدها مؤسسات التعليم الخصوصي بأكادير، حيث يلاحظ تصاعدها باستمرار، ابتداء من سلك التعليم الأولي ثم الابتدائي فالإعدادي والثانوي وصولا الأقسام التحضيرية التي يغادر أغلب طلبتها مؤسسات التعليم الخصوصي إثر قرار الوزير الأخير، آملين الإلتحاق بالتعليم العمومي.

غموض يلف مبالغ التسجيل والتامين

تلجأ هذه المؤسسات على الإستمرار في سياسة الغموض عبر إدراج البيانات المرتبطة بتأمين التلاميذ على وجه الخصوص، وكذا مصاريف التسجيل عند بداية السنة الدراسية، وذلك بإدماجها معا في مبالغ مالية تتراوح مابين 800 درهم و1500 درهم حسب كل مؤسسة، والحالة أن قسط التأمين لدى مؤسسات التأمين لا يتجاوز 14 درهم في السنة لكل تلميذ، وفي أقصى الحالات في حدود 60 درهم. وهو ما يغطي مصاريف التطبيب في حدود 500 درهم كحد أقصى في حالة وقوع حادثة مدرسية موجبة للتأمين”. يشار إلى أن أثمان التمدرس بالتعليم الخصوصي في أكادير تتراوح ما بين 800درهم و2500 درهم للشهر.

وكشفت تقارير انجزتها الجهات الوصية على أن أغلب مسؤولي المؤسسات يقتصدون قدر الإمكان في وعاء الحوادث المؤمنة، ولا يطلعون أولياء وآباء التلاميذ على مقتضيات عقود تأمين أبنائهم ولا يشهرون أثمانها حتى. وتفيد بعض التقارير أن “بعض المؤسسات تتهرب من تأمين كل التلاميذ رغم استفاء أثمان ذلك من مصاريف التسجيل في بداية السنة الدراسية، وهو ما يخالف مقتضيات القانون. كما توقفت هذه التقارير على عدم تسليم فواتير وبيانات التأمين لآباء وأولياء التلاميذ، والحالة أن التأمين يتم بواسطة المؤسسات لا من طرف الأولياء”.

وتشير هذه التقارير أيضا إلى أن البيع المشروط لبعض الخدمات المقدمة في بعض المؤسسات التعليمية كربط تدريس مادة دراسية بشراء مقررها إلزاميا من نفس المؤسسة. ونبه التقرير إلى انعدام مؤسسة “المدير”أصلا في بعض المؤسسات، أو تسير أحيانا من قبل أشخاص لا تتوفر فيهم شروط التربية القانونية المطلوبة، رغم المراسلات الموجهة إليهم من قبل الأكاديميات، مضيفا أن هناك تنصيب صوري لبعض المديرين، وذلك بالجمع بين مهنة التدريس والإدارة بهدف التحايل على النصوص المنظمة لمجال التدريس الخصوصي.

مؤسسات تلهف الملايين ولا تتقيد بالقوانين المعمول بها

وفي اتصال مع مجموعة من الآباء أكدوا أن مؤسسات تعليمية خصوصية تلهف الملايين من جيوب الآباء ولا تعين مديرا لكل سلك تعليمي حسب ما هو محدد في القوانين التنظيمية.

وفي هذا الإطار أكد رئيس إحدى جمعية الآباء ” أن مؤسسة تعليمية وسعت نفسها خلال هذا الموسم اكتفت بتكليف مدير واحد لكل من مستويات التعليم الابتدائي والتعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي.

واستغربت الجمعية لكون بعض المؤسسات لا تتوفر على مختبر علمي رغم وجود تلاميذ يدرسون بشعبة العلوم. مؤكدة أن “هناك مختبرات علمية بالمؤسسات لكن تظل معطلة لتجنب شراء المواد الأولية المستخدمة في التجارب العلمية إما لثمنها المرتفع أو لغياب التجهيزات والوسائل الأساسية للقيام بالتجارب”.

كما أوردت مجموعة من التقارير صادرة عن نيابة اكادير أن بعض المديرين يسمحون لبعض الأساتذة الأجانب بالتدريس في بعض المؤسسات دون الحصول على ترخيص في الموضوع.

وأضاف أحد الأساتذة العاملين بالتعليم الخصوصي أن هناك مؤسسات خصوصية تشغل عشرات من أساتذة التعليم العمومي في سلك الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي دون ترخيص من الأكاديمية الجهوية، بل هناك من يشغل المتقاعدين ومستخدمين لا يتوفرون على الشهادات التعليمية التي تسمح لهم العمل بالتدريس في مرحلة التعليم الابتدائي. هذا ناهيك عن الغموض في بيانات المستخدمين خاصة في علاقة إدارتهم بصندوق الضمان الاجتماعي.

وكشفت التقارير أن أغلبية مؤسسات التعليم الخصوصي ليس بها جمعية الآباء، وتعتمد جلها لبرامج أجنبية بالنسبة للغة الفرنسية غير مرخص لها من قبل الأكاديمية. علما أن جميع مؤسسات التعليم الخصوصي تدرج تدريس اللغة الفرنسية منذ التعليم الأولي ضدا على القوانين المنظمة للتعليم الخصوصي، إذ تحض هذه المادة بنفس حصة اللغة العربية، بل تدرج حتى اللغة الانجليزية منذ السنة الأولى من التعليم الابتدائي على حساب المواد الأساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *