آراء

مجرد وجهة نظر: حين تغتال المعرفة في الشارع العام…

اهتز الرأي العام في أرفود، بل في المغرب كله، على وقع جريمة بشعة راحت ضحيتها أستاذة شابة، تدرس اللغة الفرنسية بمركز التكوين المهني. جريمة لم تكن عابرة، بل صفعة في وجه مجتمع بأسره، وتعبير صارخ عن أزمة أعمق مما نتصور: أزمة قيم، وتربية، ورؤية.

الضحية: شابة في ريعان عمرها، تمثل رمزية مزدوجة: سلطة المعرفة، وسلطة المرأة المستقلة. لباسها يعكس الجدية، وسلوكها يشهد لها بالانضباط، أما حضورها فيعكس شخصية قوية تجمع بين الوعي والتفاني في أداء الرسالة التربوية.

القاتل: مراهق، ضئيل التجربة، محدود المعرفة، خاضع لنزواته، لا يزال تحت الوصاية الأبوية والتبعية الاقتصادية. لم يتقبل سلطة المرأة ولا تفوقها، نشأ في بيئة تعيد إنتاج خطابات دونية بحق النساء، وتحقر رمزية الأستاذ.

الأسئلة المؤلمة المطروحة:

كيف لشاب تربى في مجتمع ذكوري أن يقبل بتفوق امرأة، وهو الذي شحن منذ الصغر بأن المرأة “ناقصة عقل ودين”؟

كيف له أن يرى فيها نور العلم، وهو لا يرى فيها إلا ظلًا يجب أن يسير خلفه لا بجانبه؟

كيف يتقبل أن ترفض نزواته أو مشاعره غير الناضجة، وهي التي تحمل سلطة تربوية ومعرفية في مؤسسة عمومية؟

ولو أن هذه الأستاذة كانت تنتمي إلى سلك القضاء، أو الشرطة، أو إلى عائلة نافذة… هل كان سيجرؤ على ارتكاب الجريمة في الشارع العام؟

الجواب المرجح: لا.

لأن السياسات التي جعلت من الأستاذ “شماعة” لفشل المنظومة التعليمية نجحت في شيطنته. ولأننا همشنا التعليم، وتركنا الفضاء المدرسي مرتعا لفوضى القيم، خرج من بيننا جيل من “الضباع”، لا يعترف بسلطة العلم، ولا يوقر حامليه.

هاجر،

لم أكتب عنك لأنك فقط أستاذة. بل لأنك امرأة قتلت فقط لأنها كانت تؤدي واجبها.

تضامنت معك لأنك كنت نموذجا في الانضباط والكفاءة، ولأنك تحملين اسما يشبه أسماء الحياة.

تضامنت معك لأن الحملات الممنهجة التي شوهت صورة الأستاذ، وشيطنته إعلاميا واجتماعيا، نجحت في خلق بيئة معادية للمعرفة ولرموزها.

تضامنت معك لأننا تخلينا عن التعليم، فصار جيلي الناشئة لا يرى في القدوة قيمة، ولا في الأستاذ هيبة.

جيل بات يرى في التفاهة مجدا، وفي “التشمكير” بطولة، وفي الوقاحة رجولة.

جيل فقد البوصلة، فصار يقيس الرجولة بعلو الصوت لا بسمو الأخلاق، ويقيس القوة بالترهيب لا بالوعي.

تضامنت معك لأن أول حق تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، التي يزعم وطني أنه ملتزم بها، هو الحق في الحياة… وأنت فقدت هذا الحق غدرا.

رحمك الله، هاجر.

ولتبق ذكراك جرسا مدويا يوقظ الضمير، ويفضح صمتنا المريب أمام نزيف القيم.

بقلم: ذ.محمد الزهراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *