آراء

تزوير الذاكرة الجماعية للحزب الديمقراطي الأمازيغي

قد يظنّ البعض أن ما نقوم به من نقد وتساؤل حول شرعية الادعاءات الراهنة لبعض الأشخاص، في سياق رغبتهم في قرصنة وتأميم تجربة الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي ونسبها إلى ثلاثة أشخاص فقط، هم كل المنتمين لما يُسمى “مجموعة الوفاء للبديل”، هو نقد هدّام وغير قائم على أسس سليمة ومنطقية، وأنه لا شيء يبرّر توجيه الانتقاد لهؤلاء ما داموا يتحركون وفق قناعاتهم الشخصية، كما يُقال.

لكن، ومن وجهة نظرنا، وإن كنّا لا نصادر حقّ أيٍّ كان في التعبير عن أفكاره وتوجهاته في الفضاءَين العام والافتراضي، فإن ما يهمّنا هو التأكيد على أن الأفعال لا تُفهم من خلال انفعالاتها اللحظية، بل من خلال عللها الحقيقية، كما يؤكد ابن خلدون وغيره من الفلاسفة. وهنا، يصبح من الضروري مساءلة ادعاءات البعض اليوم بشأن نسب مشروع الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي إلى أنفسهم، وكأنهم الورثة الطبيعيون لمسار لم يُساهموا في صياغته، ولم يعيشوا لحظة ولادته العسيرة.

إن المنطق والتاريخ يقتضيان أن نُقَيِّم الأمور انطلاقًا من حقيقتها، لا من رغباتنا. ومن هذا المنطلق، فإن مساهمة هؤلاء في الإعداد الفكري والسياسي للحزب، لحظة تأسيسه، كانت شبه منعدمة. إذ لم يكونوا، حينها، سوى مبتدئين في أبجديات العمل السياسي، يخطون خطواتهم الأولى، دون أن يمتلكوا من التجربة أو الرؤية ما يُؤهّلهم لفهم تعقيدات تلك المرحلة الدقيقة. فكيف لهم اليوم أن يدّعوا أنهم المؤسسون الحقيقيون، وينسبوا إلى أنفسهم ما لم يفهموه أصلًا حينها؟

إن التاريخ لا يُكتب بالرغبات ولا بالمزاعم المتأخرة، بل بالأفعال الملموسة والتضحيات الفعلية. وكل من حضر الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني للحزب، في قاعة المهدي بنبركة، يشهد على طيش بعض هؤلاء، حين افتعلوا صراعًا مجانيًا مع مناضلي فرع خنيفرة، في وقتٍ كان الحزب في أمسّ الحاجة إلى التماسك والنضج، لا إلى ردود أفعال صبيانية.

لا ينبغي إطلاق العنان للأهواء، بل يتطلّب التحرر منها بقوة العقل والفهم. وما نشهده اليوم من سلوك هؤلاء هو نقيض للمنطق، وللتاريخ، وللحقيقة أيضًا. ولذلك، فإن ما يقومون به لا يُعَدّ بناءً لمشروع جماعي، بل محاولة بئيسة لاستلابه، من خلال قرصنة نضال غيرهم، في مسعى يائس لسرقة هوية تنظيمية وثقافية لا تعنيهم إلا بقدر ما تفتح لهم أبواب الانتهازية والوصولية، طمعًا في فتات سياسي لا يُغني ولا يُسمن من جوع.

لقد كان مشروع الحزب الديمقراطي الأمازيغي المغربي ثمرة تفكير عميق، ونضال مرير، وتجارب متراكمة عبر سنوات. لم يكن نزوة لحظية، بل نتاج مناضلين وهبوا وقتهم، وأموالهم، وصحتهم النفسية والجسدية، بل وحريتهم أحيانًا، من أجل فكرة تنظيمية أمازيغية تؤمن بالديمقراطية، والتعدد، والكرامة. وهؤلاء لا يمكن تهميشهم أو محو أثرهم، لأن ما بُني بالنضال والتضحيات لا يُمحى بالضجيج والصوت العالي، الذي لا يُفيد في شيء سوى في تغليظ الحبال الصوتية الرقيقة لأولئك، وغيرهم من أصحاب الادعاء الجهول.

وفي النهاية، يُعلّمنا المنطق، ويُنيرنا التاريخ، وتفتح لنا الفلسفة أفق الوعي حين تؤكد أن “الجهل لا يعني فقط غياب المعرفة، بل يعني أيضًا غياب الوعي بالحدود الذاتية”. فليتأمّل هؤلاء حدودهم، وليكفّوا عن ارتداء الأقنعة الزائفة، وليتوقفوا عن الانتحال القسري لنضال لم يخطّوه بأيديهم، ولم يدفعوا ثمنه بصدق.

عبد النبي إدسالم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *